أعاد منشور لنادي المتقاعدين المغاربة على منصة فيسبوك فتح نقاش سياسي حساس، بعد طرحه سؤالًا مباشرًا على رواد المنصة حول إمكانية تولي فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والإسكان وسياسة المدينة ومنسقة القيادة الجماعية لحزب حزب الأصالة والمعاصرة، رئاسة الحكومة المقبلة سنة 2026.
النتيجة الرقمية كانت لافتة: أكثر من 90 في المائة من المتفاعلين أجابوا بـ“لا”.
هذا الرفض، كما عبّر عنه أصحاب التعليقات، لا يرتبط بموقف من قيادة نسائية للحكومة؛ فالمبدأ، وفق ما راج، هو المساواة بين الرجل والمرأة في العمل السياسي.
إنما يتأسس على تقييم سياسي وأدائي لحزب ينتمي إلى الأغلبية الحكومية الحالية، ولم يُقنع – في نظر المنتقدين – بقدرته على تقديم إشارات مطمئنة في تدبير الشأن العام.
ويستحضر هذا النقاش أسماء وحقائب أثارت جدلًا واسعًا. فمنتقدو الحزب يستدلون بتجربة عبد اللطيف وهبي على رأس وزارة العدل، معتبرين أن صراعاته المفتوحة مع هيئة المحامين شكّلت عنوانًا لأزمة ثقة غير مسبوقة. كما يضعون أداء مهدي بنسعيد في وزارة الشباب والثقافة والتواصل تحت مجهر النقد، على خلفية اتهامات متداولة بخلط المال بالسلطة والاصطفاف مع إعلام يُوصف بـ“الصفراوي”.
هي انتقادات تُتداول في الفضاء العمومي وتُقدَّم بوصفها قراءة سياسية لا أحكامًا قضائية، لكنها مع ذلك تؤثر بقوة في صورة الحزب وقياداته.
أما بخصوص المنصوري نفسها، فيذهب المتفاعلون إلى أن سجلها الحكومي والحزبي لا يدعم طموح رئاسة الحكومة؛ إذ يعتبرون أنها لم تحقق اختراقًا نوعيًا في تدبير قطاعها الوزاري، ولا في توحيد بيت حزبها، مستشهدين بقرارات تنظيمية مثيرة للجدل، من بينها إبعاد أحد أعضاء القيادة الجماعية مباشرة بعد انتخابه. ويُضاف إلى ذلك، في خطاب الرفض، استحضار قضايا تُلاحق قياديين بالحزب في ملفات ثقيلة، ما ينعكس – وفق هذا الرأي – على مصداقية المشروع السياسي برمته.
غير أن هذا الرفض الشعبي الرقمي لا يُغلق باب الاحتمالات. فالتجربة السياسية المغربية، تتأثر أيضًا بما يُوصف في المخيال السياسي بـ«الصالونات الذهبية»، حيث تُصنع أحيانًا القرارات الكبرى بعيدًا عن صناديق الاقتراع، أو على الأقل خارج منطق التنافس السياسي الطبيعي. فالتاريخ القريب أبان أن نتائج الانتخابات في المغرب لا تُختزل في الإرادة الشعبية وحدها، بل تتقاطع مع توازنات السلطة والنفوذ والمال.
من هنا، يصبح سؤال رئاسة الحكومة أقل ارتباطًا بالكفاءة السياسية أو البرنامج الانتخابي، وأكثر التصاقًا بمن يُراد له أن يقود المرحلة.
وهو ما يُغذّي شعورًا عامًا بعدم الثقة، ويُفسر هذا الرفض الواسع لترشيح فاطمة الزهراء المنصوري، ليس كشخص فقط، بل كامتداد لمسار سياسي وحزبي يُنظر إليه باعتباره فاقدًا للاستقلالية والجرأة في مواجهة مراكز القرار.
وفي مقابل هذا المشهد، يلفت كثير من المتابعين إلى مفارقة صارخة: القيادات النسائية الأكثر مصداقية ونضجًا سياسيًا، توجد خارج دائرة الأحزاب اليمينية المهيمنة على المشهد الحكومي.
فداخل تيارات اليسار، تبرز أسماء راكمت تجربة نضالية وبرلمانية واضحة، مثل نبيلة منيب، الأمينة العامة السابقة للحزب الاشتراكي الموحد، وفاطمة الزهراء التامني، وغيرهما من القياديات اللواتي يشتغلن بمنطق الاستقلالية والوضوح السياسي، ولو من مواقع المعارضة.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الرصيد السياسي لا يجد طريقه إلى مراكز القرار، لأن السياسة في المغرب – كما يُجمع كثيرون – لا تخضع دائمًا للمنطق الديمقراطي الصرف، ولا لتوازنات الرأي العام.
فكما تم، في تجربة سابقة، الدفع بفاعل سياسي حديث العهد بالحزب إلى رئاسته ثم إلى رئاسة الحكومة، يمكن – نظريًا – إعادة إنتاج السيناريو نفسه، عبر فرض اسم جديد أو “نكرة سياسية” على رأس السلطة التنفيذية، رجلًا كان أو امرأة.
إن الجدل الذي فجّره منشور نادي المتقاعدين المغاربة لا يتعلق فقط بشخص فاطمة الزهراء المنصوري، بل يكشف أزمة أعمق: أزمة ثقة في الوساطة الحزبية، وأزمة معنى في الفعل الانتخابي نفسه.
فحين يشعر المواطن أن صوته قد لا يكون الفيصل، وأن الاختيارات تُحسم في أماكن أخرى، يصبح العزوف والرفض والسخرية أدوات تعبير سياسي بديلة.
وإلى أن يُحسم هذا التناقض بين ما يريده الشارع وما تفرزه موازين القوة، سيظل السؤال معلقًا: هل ستقود المغرب يومًا امرأة إلى رئاسة الحكومة؟ أم أن الإشكال ليس في كونها امرأة، بل في المنظومة التي تصنع الزعامات وتُقرر نيابة عن الناخبين؟















