جاء بلاغ المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان شديد اللهجة، مندداً بمصادقة الحكومة المغربية على مشروع القانون رقم 26.25 الخاص بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، واعتبره “اغتيالاً ممنهجاً لمبدأ التنظيم الذاتي” و”نكسة دستورية” تهدد استقلالية الصحافة بالمغرب.
جوهر الرفض: تقويض استقلالية المهنة
في قراءة دقيقة لمضمون البلاغ، يتضح أن المركز يعتبر المشروع الجديد انقلاباً على فلسفة التنظيم الذاتي التي شكلت أحد مرتكزات إصلاح منظومة الصحافة في المغرب بعد دستور 2011. إذ يرى أن المشروع يسعى لتحويل المجلس من هيئة مستقلة إلى جهاز “صوري” تتحكم فيه “المصالح التجارية والولاءات السياسية”، على حد تعبير البلاغ.
مآخذ جوهرية على المشروع الحكومي
البلاغ سرد مجموعة من الملاحظات التقنية والسياسية التي تعزز موقف الرفض، من أبرزها:
1. إخلال بمبدأ المساواة: انتقد البلاغ ما اعتبره خرقاً لمبدأ التمثيلية المتكافئة بين الصحافيين والناشرين، من خلال فرض الانتخاب على الفئة الأولى مقابل أسلوب “الانتداب” للفئة الثانية، مما يفقد المجلس طابعه الديمقراطي.
2. هيمنة المال: استنكر البلاغ منح الأفضلية للشركات ذات رقم المعاملات المرتفع في عدد الأصوات، معتبراً ذلك تكريساً لمنطق الريع والاحتكار على حساب التعددية والمهنية.
3. تقليص صلاحيات الصحافيين: أشار المركز إلى سحب رئاسة لجنة بطاقة الصحافة من الصحفيين، وهو ما اعتبره تهميشاً لسلطتهم داخل المجلس، وتغليباً للناشرين في لجان استراتيجية.
4. اختصاصات زجرية خارج السياق: انتقد البلاغ منح المجلس صلاحيات وصفت بـ”الزجرية”، كإمكانية توقيف الصحف، واللجوء إلى التحكيم الإجباري في النزاعات، مما يتنافى – حسب المركز – مع طبيعة المؤسسة كهيئة للتنظيم الذاتي وليست جهازاً رقابياً.
5. تسييس رئاسة المجلس: أبدى المركز تخوفه من تمديد ولاية المجلس إلى خمس سنوات دون التداول الديمقراطي على الرئاسة، مما يفتح المجال أمام الولاءات السياسية و”المحسوبية”.
دعوة إلى مواجهة المشروع ورفضه تشريعياً
البلاغ لم يكتفِ بالتنديد، بل وجّه دعوة صريحة إلى البرلمان بغرفتيه لرفض هذا المشروع، مطالباً النواب بتحمل “مسؤوليتهم التاريخية” في التصدي لما وصفه بـ”التشريع الرديء”.
كما دعا البلاغ إلى تشكيل جبهة ديمقراطية واسعة للتصدي لهذا التراجع الخطير، مشيراً إلى أن المسّ بحرية الصحافة لم يعد يمرّ بصمت في ظل الحراك المدني والحقوقي المتصاعد.
يضع هذا البلاغ إصبعه على واحدة من أكثر النقاشات حساسية في المغرب اليوم: مستقبل الصحافة وموقعها في معادلة السلطة والمجتمع. وبين سطور البلاغ، تبرز خشية حقوقية واضحة من “تدجين الصحافة” تحت غطاء قانوني، في وقت تتطلب فيه البيئة الديمقراطية ضمان استقلاليتها وتعزيز مقومات التعددية بدل تقويضها.
إن ما جاء في البيان لا يعكس فقط موقف مركز حقوقي، بل يعبّر عن أزمة ثقة متفاقمة بين الفاعلين المهنيين والحكومة بشأن مصير التنظيم الذاتي، ويؤشر على معركة مفتوحة قد تمتد إلى قبة البرلمان والساحة الإعلامية في قادم الأيام.














