حين ينجح المنتخب المغربي في فرض شخصيته الفنية على المستطيل الأخضر، ويقترب من تدوين مجد مونديالي جديد مستندا إلى سلسلة تاريخية بلغت 39 مباراة متتالية دون خسارة والارتقاء إلى المركز الخامس عالميا، تظهر في الكواليس محاولات واضحة لزعزعة هذا الاستقرار. وفي ظرف لم يتجاوز أربعة أيام، بدا لافتا تحريك بعض الدوائر الإعلامية والقضائية في فرنسا لملفات تستهدف ركائز النخبة الوطنية المتواجدة حالياً في المعسكر المونديالي؛ سياق يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هذه الأحداث المتلاحقة مجرد مصادفة زمنية، أم أنها تشويش متعمد وممنهج.
جاءت الخطوة الأولى عبر استهداف افضل لاعب بافريقيا أشرف حكيمي. فلم يجد القضاء الفرنسي توقيتا لإعادة النظر في ملف قضية يعود تاريخها إلى أكثر من سنتين، إلا الساعات القليلة التي سبقت مباراة اسكتلندا الحاسمة في الجولة الثانية. هذا التوقيت لا يبدو بريئا من الناحية الذهنية، إذ قام بتشتيت تركيز اللاعب وإخراجه عن طوعه النفسي قبل الولوج إلى أرضية الميدان.
وقد استغلت الجماهير الاسكتلندية هذا الزخم القضائي المفتعل لشن حرب نفسية داخل الملعب، عبر إطلاق صافرات الاستهجان ضد حكيمي مع كل لمسة للكرة منذ الدقيقة الأولى. ورغم أن اللاعب أظهر نضجا كبيرا ونجح في امتصاص الصخب الجماهيري والمساهمة في تحقيق الفوز، إلا أن مثل هذه الضغوط الخارجية تترك أثرا جانبيا على المردود البدني والذهني للاعب يفترض أن ينصب تفكيره كاملا على الحسابات التكتيكية للمباراة.
بعد قضية حكيمي بيومين، انتقل التشويش إلى واجهة إعلامية أخرى استهدفت هذه المرة لاعب خط الوسط الشاب نائل العيناوي. فقد عمدت محطة راديو “RMC” الفرنسية، على غير العادة، إلى استضافة والده أسطورة التنس المغربي السابق يونس العيناوي، في حوار طغت عليه الصبغة الاستنطاقية والأسئلة الموجهة لانتزاع تصريحات تثير الجدل وتخلق الانقسام في الشارع الرياضي.
وقد انساق العيناوي الأب خلف تلك الأسئلة، متناولا محاور شائكة لا يخدم طرحها مصلحة المنتخب في هذا التوقيت الحرج:
ملف كأس أفريقيا:التطرق إلى مسألة تتويج المغرب باللقب القاري بعد انسحاب السنغال، بانتظار الحكم النهائي للمحكمة الرياضية الدولية “طاس”، وهو شأن قانوني وإداري معقد يفترض عدم الخوض فيه إعلامياً أثناء منافسات كأس العالم.
اختيار القميص الوطني: إصرار الإعلام الفرنسي على مناقشة خلفيات تفضيل نائل تمثيل المغرب بدلا من فرنسا، في محاولة مستمرة لإبراز الموضوع كقضية رأي عام ومواصلة الضغط على اللاعب.
أمام هذه الحروب النفسية التي تدار في الغرف المغلقة وعبر الشاشات، يبقى الميدان هو الفيصل والمقياس الوحيد الذي يجب أن يحتكم إليه الجمهور المغربي. وهناك، يقدم نائل العيناوي أداء يفند كل الشكوك ويعكس التزاما مطلقا بالشعار الوطني.
منذ التحاقه بصفوف أسود الأطلس، تميز العيناوي بروح قتالية عالية وتضحية بالغة؛ ولعل الصورة الراسخة له في نهائي كأس أفريقيا ورأسه ينزف دما وهو يصر على إكمال اللقاء حتى صافرة التتويج، خير دليل على معدنه. هذا المشهد تكرر مجددا في مواجهة اسكتلندا الأخيرة، حيث تمزق قميصه وسالت دماؤه على العشب دون أن يتراجع عن واجباته التكتيكية.
إن هذه الروح العالية هي الرد الحقيقي على محاولات التشويش الخارجية. والمرحلة الحالية تتطلب من الجماهير عدم الانسياق وراء السجالات الإعلامية المفتعلة، والتركيز فقط على دعم اللاعبين في رقعة الميدان؛ فالمنتخب المغربي يملك من النضج التكتيكي والذهني ما يكفي لتجاوز هذه العقبات ومواصلة السير نحو تحقيق الأهداف المونديالية المسطرة.














