في تدبير المؤسسات العمومية، لا تُقاس المسؤولية بطول مدة البقاء في المنصب، و لا تُقاس الحصيلة بمجرد ارتفاع الميزانيات أو تعدد المشاريع، و إنما بما يتحقق من مردودية، و جودة في الأداء، و حكامة في التدبير، وقدرة على تطوير المرفق العمومي و الاستجابة لانتظارات المواطنين.
و من هذا المنطلق، يحق للرأي العام أن يطرح سؤالاً جوهرياً بشأن الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة : كيف يمكن تفسير استمرار المسؤول الأول على رأس المؤسسة لأكثر من 27 سنة، رغم تعاقب حكومات متعددة وتغيير عدد من المسؤولين السامين و مديري القنوات، في وقت لا تزال فيه المؤسسة تواجه انتقادات متواصلة بشأن تدبيرها و مردوديتها و جودة إنتاجها الإعلامي؟
إن الإشكال لا يتعلق فقط بطول مدة تولي المسؤولية، بل بما تفرضه هذه المدة من ضرورة تقديم حصيلة واضحة، قابلة للتقييم و المساءلة. فإذا كان عدد من المسؤولين الذين جرى تعيينهم على رأس القنوات قد غادروا مناصبهم، لأسباب ارتبطت، وفق ما يُتداول، باختلالات في التدبير أو تعثرات في التسيير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يقيّم حصيلة من اختار هؤلاء المسؤولين، و من يراقب نتائج القرارات التي اتُّخذت في ظل إدارته؟
فالرئيس المدير العام، باعتباره المسؤول الأول عن المؤسسة، لا يمكن أن تكون صلاحياته في التعيين و التدبير منفصلة عن مسؤوليته في التقييم و المحاسبة. و إذا كانت الإخفاقات المنسوبة إلى بعض المديرين تستدعي تغييرهم، فمن المنطقي أن تخضع الحصيلة العامة للمؤسسة، بدورها، لتقييم موضوعي يحدد مكامن الخلل، و يربط المسؤولية بالنتائج، بعيداً عن منطق تحميل المسؤولية للمستويات الإدارية الأدنى وحدها.
و تزداد أهمية هذا السؤال حين نستحضر تعدد مظاهر الانتقاد التي تطال القنوات التابعة للشركة، سواء تعلق الأمر بطرق العمل، أو جودة البرامج، أو تدبير الموارد البشرية، أو العلاقة مع الجمهور و المنتجين. كما أن الانتقادات المرتبطة بلجنة انتقاء البرامج، و ما يعبّر عنه بعض المنتجين من تحفظات بشأن معايير الاختيار و شفافية المساطر، تطرح الحاجة إلى توضيح آليات الانتقاء، وضمان تكافؤ الفرص، و إرساء قواعد واضحة للتقييم والمحاسبة.
و لا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام مسبقة على جميع العاملين أو البرامج أو المسؤولين، بل بضرورة إخضاع منظومة التدبير برمتها للتقييم، و الاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، و التحقق من الشكاوى و الانتقادات المطروحة. فالإعلام العمومي ليس ملكاً لإدارة أو مسؤول، و إنما مرفق عمومي تُصرف عليه أموال عمومية، و من حق المجتمع أن يعرف مدى انعكاس هذه الموارد على جودة الخدمة الإعلامية و تنافسية القنوات و قدرتها على مواكبة التحولات الرقمية.
و إذا كانت ميزانية المؤسسة قد عرفت تطوراً خلال السنوات الماضية، فإن السؤال المشروع يظل قائماً: هل واكب هذا التطور تحسن ملموس في جودة البرامج، و نجاعة الإنتاج، و تحديث طرق العمل، و تحسين ظروف اشتغال الموارد البشرية؟ فزيادة الإمكانات المالية لا تكفي وحدها دليلاً على النجاح، ما لم تقترن بمؤشرات واضحة للمردودية، و تدبير عقلاني للموارد، و رؤية استراتيجية تتجاوز المعالجة الظرفية للأزمات.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مؤسسة عمومية ليس تعدد الانتقادات في حد ذاته، بل تحوّلها إلى وضع متكرر دون تقييم معلن أو إصلاح ملموس. فالأعطاب التقنية المتكررة، و مشاكل التنسيق و التدبير، و الجدل حول جودة المحتوى، كلها قضايا تستحق التشخيص و المعالجة، لا الاكتفاء بتغيير المسؤولين كلما تفاقمت الاختلالات، مع ترك السؤال المركزي حول الحصيلة العامة معلقاً.
و من هنا، فإن المطلوب ليس المطالبة بإعفاء شخص بعينه بناءً على الانطباعات، و إنما إرساء مبدأ مؤسساتي واضح: لا أحد فوق التقييم، و لا ينبغي أن تتحول الاستمرارية في المنصب إلى وضع يعفي صاحبه من تقديم الحساب. فالمحاسبة الحقيقية لا تبدأ عند المديرين الذين يغادرون مناصبهم، بل تشمل أيضاً مستوى القيادة الاستراتيجية، و مدى نجاحها في تحقيق الأهداف المعلنة.
**إن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس فقط: لماذا غادر بعض المسؤولين مناصبهم؟ بل أيضاً: أين تقف الحصيلة العامة للشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة بعد كل هذه السنوات؟**
ذلك أن إصلاح الإعلام العمومي لا يتحقق بتغيير الأسماء وحدها، و إنما بتقييم السياسات، و مراجعة أساليب التدبير، و ضمان الشفافية في اتخاذ القرار، و ربط المسؤولية بالمحاسبة. أما استمرار الجدل حول الأداء، في مقابل غياب تقييم عمومي واضح للحصيلة، فيُبقي سؤال الإصلاح مفتوحاً، و يجعل المطالبة بالمحاسبة مطلباً مؤسساتياً مشروعاً، لا مجرد سجال حول الأشخاص.















