“إن الصراع بين الحرية والسلطة هو أحد الصفات الأكثروضوحا في أجزاء التاريخ المألوفة منذ القدم…” يقول جون ستيوارت ميل في كتابه الشهير عن الحرية.
واليوم يبدو أن المشهد الإعلامي بالمغرب يعيش على إيقاع التراجع في ما يتعلق بحرية الصحافة ومحاولات تضييق الخناق على أصحاب الأقلام والأصوات الحرة التي تنتقد السياسيين وتبرز مكامن الخلل في المنظومات المجتمعية وبالأخص السياسية منها في ضرب صارخ لحرية التعبير الركيزة الأساسية للمجتمعات الديمقراطية والتي تعتبر حقّا أساسيا من حقوق الإنسان طبقا للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما تتعرض حرية الإعلام حسب نفس المادة “لاعتداءات في العديد من الأماكن بسبب دورها الأساسي في ضمان الشفافية على مستوى السلطات العامة والحكومية ومساءلتها”.
ووفقا لهيئات حقوقية وطنية فإن منظومة حرية الرأي والتعبير”لا تشمل فقط الأفكار التي يتم تلقيها بشكل إيجابي أو التي تعتبر غير مؤذية أو محايدة، وإنما أيضا الأفكار التي تغضب أو تصدم أو تزعج”.
إن انخفاض سقف الحرية بات يهدد عددا من الصحفيين المغاربة الذين يزج بهم إلى ساحات المحاكم بتهم محبوكة لأنهم عبروا بكل حرية ومصداقية عن مواقفهم ضد الفساد واستعمال الريع وتبدير المال العام وفضح إخفاقات السياسات الحكومية وتنوير الرأي العام بما يقع داخل دهاليز القطاعات الحساسة في المجتمع لا سيما المجالين السياسي والإجتماعي.
من المؤسف أن نجد أصواتا إعلامية لها عيون تقرأ ما خلف الستار وتسعى من خلال الكلمات إلى إظهار الحقيقة تحارب اليوم أمام مرآى ومسمع الهيئات النقابية الشبه غائبة عما يقع لأفراد من قبيلتها لاسيما وأن البعض من الصحفيين باتوا يتابعون بالقانون الجنائي علما بأن الدستور في فصله ال 28 ينص على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية. للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة” كما أن الفصل ال25 من القانون الأسمى للمملكة يتضمن التنصيص على أن ” حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها”.
هي قدرات خارقة لتكميم الأفواه وتقييد السلطة الرابعة من طرف بعض المسؤولين السياسيين المثيرين للجدل الذين عوض أن يولوا اهتماما لقضايا المواطنين وهمومهم الإجتماعية تراهم وراء هواتفهم الذكية وحواسيبهم يتحينون الفرص لمتابعة بعض رجال ونساء الإعلام الذين ينتقدون سياساتهم ويكشفون عن مكامن الخلل بها باعتبار أن النقد أولى خطوات الإصلاح ومسؤولية مشتركة وواجب عام بعيدا عن نية التشهير، وفي ذلك خنق لحرية التعبير ومصادرة للرأي الحر والمخالف ليتبادر بالتالي الى الأذهان شعار “الخبر المقدس والتعليق حر” وما محله من الإعراب .
لا شك أن العفو الملكي عن ثلاثة صحفيين تزامنا مع عيد العرش خلال السنة الماضية كانت له انعكاسات إيجابية إذ لاقى ترحيبا واسعا على المستويين الوطني والدولي حيث استفاد من العفو الصحافيون توفيق بوعشرين وعمر الراضي و سليمان الريسوني.
وتجدر الإشارة إلى أن المغرب حصد حسب “منظمة مراسلون بلا حدود” الرتبة 129 السنة المذكورة مقارنة مع الرتبة 144 لسنة 2023، متقدما بذلك على عدد من الدول العربية ومنها الكويت والأردن والجزائر ولبنان والسودان والعراق ومصر.
هذه الرتبة تعد بصيص أمل لاستحقاق أفضل لكن ما يحدث داخل الحقل الإعلامي لا يبعث على التفاؤل كما هو الحال بالنسبة للإعلامي حميد المهداوي مدير نشر موقع بديل الذي قضت المحكمة الإبتدائية بالرباط يوم الإثنين 11 نونبر 2024 بإدانته بسنة ونصف حبسا نافذا وبغرامة مالية لصالح وزير العدل عبداللطيف وهبي قدرها 150 مليون سنتيم عوض مليار سنتيم الذي كان يطالب به الوزير!!
ولم يتوقف الوزير عند هذا الحد بل تقدم بشكاية ثانية ضد المهداوي بمباركة من رئيس الحكومة عزيزأخنوش وأيضا ضد مدير نشر الجريدة الرقمية “آشكاين” هشام العمراني بدعوى نشر وقائع غير صحيحة والقذف والاهانة والمس بالحياة الخاصة على إثر مقال معنون ب” ما الذي يريد وهبي اخفاءه بمقاضاة آشكاين بعد نبشها في ملف بعيوي والناصيري المتهمين بالاتجار في المخدرات؟”.
هكذا تتوالى المتابعات الواحدة تلو الأخرى ضد حرية التعبير وهذه المرة في حق رضى الطاوجني الذي سبق وأن تمتع بدوره بالعفو الملكي واشتهر بانتقاداته وطرحه لملفات ساخنة خاصة فيما يتعلق بتدبير الشأن المحلى على مستوى أكادير وجهة سوس والتي تثير غضب بعض المسؤولين.
إن الجسم الصحفي بالمغرب بحرمانه من حرية التعبير قد يفقد شريانا رئيسيا يشل حركته إذا ما لم يتوقف نزيف متابعات ومضايقات الصحفيين وأصحاب الرأي من طرف بعض المسؤولين الذين يتحتم عليهم النظر بعيون الحكمة والتبصر والعمل على ايجاد الحلول الناجعة للقضايا المطروحة ومسايرة الإستحقاقات القارية والدولية التي انخرطت فيها المملكة المغربية في عهد جلالة الملك محمد السادس الذي أطلق أوراشا اقتصادية واجتماعية ضخمة بهدف بناء مغرب حداثي ديمقراطي.















