في زحمة الذاكرة، تبقى بعض اللقاءات محفورة لا تمحوها الأيام، لأنها تكشف معادن الرجال.
أستحضر اليوم أول لقاء جمعني بالمحامي والنقيب، الأستاذ محمد زيان، في تيفلت، خلال لقاء حقوقي/إعلامي نظمته الجمعية المغربية للدفاع عن كرامة المواطن، برئاسة الأستاذ رشيد غيثان.

وقبل أن أسرد تفاصيل هذه اللحظة، أسجل موقفي بكل وضوح: تضامني الكامل، كصحفي وحقوقي ورئيس للمركز الوطني للإعلام حقوق الإنسان، مع الأستاذ محمد زيان، الذي أنهكته سنوات ثمانٍ من السجن، رغم تقدمه في السن ووضعه الصحي، ورغم مساره الطويل ضمن رجالات الدولة في عهد الراحل الحسن الثاني.
في تلك الأمسية، التي احتضنتها مدينة تيفلت، كان اللقاء مخصصاً لموضوع “السوشل ميديا وحرية التعبير”. حضرتُ بصفتي أستاذاً بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، إلى جانب أحد أبرز الأسماء القانونية والحقوقية في المغرب: محمد زيان، وزير حقوق الإنسان السابق، وأحد أشهر النقباء والمحامين.
لكن ما حدث في بداية اللقاء كان كافياً ليكشف لي حجم هذا الرجل.

عندما أراد منشط اللقاء منح الكلمة للأستاذ زيان باعتباره المتدخل الرئيسي، رفض ذلك بشكل مفاجئ، وقال بالحرف:
“الكلمة الأولى تُعطى للأستاذ الشعبي، لأنه المتخصص في الإعلام والصحافة، وبعد ذلك سأتدخل.”
كانت لحظة صادمة بالنسبة لي، ومليئة بالدلالات.
قاعة ممتلئة عن آخرها، جمهور جاء بالأساس للاستماع إلى محمد زيان، وأنا بالنسبة لكثيرين مجرد اسم عابر في مدينة تيفلت… ومع ذلك، يختار أن يُقدّمني.
لم يكن ذلك مجرد تصرف بروتوكولي، بل درس في التواضع ونُبل السلوك.
رجل في مقامه، بتاريخه وشهرته، يضع غيره في الواجهة دون تردد… تلك ليست إلا أخلاق الكبار.
قدّمتُ مداخلتي حول السوشل ميديا وحرية التعبير بلغة عربية فصيحة، وبجرأة فكرية حاولت أن توازي أهمية اللحظة.

وما زادني اعتزازاً، أن الأستاذ زيان لم يكتفِ بالإنصات، بل أشاد بمداخلتي أمام الحضور، بكلمات صادقة لا تصدر إلا عن رجل صريح وشجاع.
منذ ذلك اليوم، لم يعد محمد زيان بالنسبة لي مجرد اسم في المشهد الحقوقي، بل تجربة إنسانية، عنوانها التواضع، وعمقها الاحترام، وسقفها الأخلاق.
اليوم، وهو يمر من محنة قاسية، أجدني مدفوعاً ليس فقط لاستحضار تلك الذكرى، بل لرفع نداء إنساني صادق:
أُناشد العاهل المغربي الملك محمد السادس، حفظه الله أن يشمل الأستاذ محمد زيان بعفوه، لما يمثله من قيمة قانونية وحقوقية، ولما قدمه من خدمات لهذا الوطن.
فبعض الرجال، حتى وهم خلف القضبان، يظلون أكبر من السجن… وأرفع من القيود.















