* عبد الرزاق بوغنبور
المشهد الصحفي بالمغرب يشهد التباسا سياسيا وحقوقيا لم يسبق أن عاشه وطننا ، حيث تتداخل القضايا الشخصية مع المعارك المبدئية، وبالتالي يَحسُن بنا أن نعيد ترتيب الأولويات، لا من أجل الاصطفاف مع أفراد مهما بلغت أهميتهم، بل من أجل الانحياز للوطن، كما نريده أن يكون: حرًّا، عادلًا، يتسع للرأي والرأي الآخر. ولهذا نقول بوضوح: لا تتضامنوا مع الصحفي حميد المهداوي فقط، بل تضامنوا مع حرية التعبير التي من دونها لا يُبنى وطن ولا تُصان كرامة.

قضية المهداوي، التي عادت إلى الواجهة بحكم استئنافي جديد يقضي بسجنه سنة ونصفًا وغرامة ثقيلة، ليست حالة استثنائية في المشهد الصحفي المغربي. إنها تعبير عن مأزقٍ عميق تعيشه حرية التعبير في البلاد، وتحديدًا ما يتعلق بعلاقة الدولة مع الصحافة المستقلة والناقدة.
لقد تحوّلت المتابعات القضائية في السنوات الأخيرة إلى أداة فعّالة في ضبط المجال العام، لا عبر الرقابة المباشرة، بل عبر إشاعة الخوف القانوني من ممارسة الحق في الرأي، خاصة حينما يلامس هذا الرأي مواضيع تُعد “حساسة”، أو تتجاوز “الخطوط الحمراء غير المكتوبة”.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود القضايا القضائية، بل تتجاوزها إلى التشريعات التي يُراد تمريرها، والتي من شأنها أن تُعيدنا خطوات إلى الوراء.
أولًا: قوانين جديدة أم قيود قديمة بصياغة جديدة؟
في الوقت الذي ينتظر فيه الصحفيون المغاربة إصلاحًا حقيقيًا لمنظومة الصحافة، يطرح مشروع تعديل قانون المجلس الوطني للصحافة ومراجعة قانون الصحافة والنشر، علامات استفهام كبرى.
بدل أن تعكس هذه التعديلات روح الفصل 28 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الذي ينص على حرية الصحافة وعدم تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية، فإنها تثير مخاوف من عودة العقوبات السالبة للحرية عبر منافذ غير مباشرة، بحجة محاربة الأخبار الزائفة أو حماية الأمن العام.
وتتجلّى أبرز السلبيات المقترحة في:
تهميش الجسم الصحفي في تركيبة المجلس الوطني، من خلال ترجيح كفة التعيينات السياسية أو الإدارية على حساب الانتخاب المهني والديمقراطي؛
منح صلاحيات واسعة للمجلس الوطني في إصدار تأديبات تصل إلى حد سحب بطاقة الصحافة أو توقيف الصحفيين، دون ضمانات كافية للمحاكمة العادلة؛
إضعاف مبدأ الاستقلالية وتحويل المجلس إلى هيئة رقابة بدل هيئة تنظيمية ومهنية؛
التوسع الفضفاض في تعريف الأخبار الزائفة، بما يفتح الباب أمام تأويلات مرنة يمكن أن تُستعمل لقمع التعبير الحرّ والنقد المشروع؛
الإبقاء على ثغرات تسمح بعودة العقوبات السجنية في قضايا النشر من خلال متابعات بالقانون الجنائي عوض قانون الصحافة.
وهنا يكمن التناقض: كيف ندعي تحديث المنظومة القانونية ونحن نُحيي في طيّاتها أساليب مضادة لجوهر الديمقراطية؟
ثانيًا: من “القضية” إلى “القيمة”
من هنا يصبح التضامن مع حميد المهداوي وغيره من الصحفيين المتابعين ليس موقفًا عاطفيًا، بل موقفًا مبدئيًا من قضية الحرية في هذا الوطن. لأننا إذا اختزلنا الدفاع عن حرية التعبير في تضامن مع أشخاص، فإننا نخسر الرؤية الإستراتيجية. الأفراد زائلون، أما المبادئ فباقية.
إن المطلوب اليوم ليس فقط المطالبة بإطلاق سراح صحفي أو إلغاء حكم، بل إعادة الاعتبار لحق الصحافة في ممارسة دورها كمراقب، كمُنبّه، كمحرّك للنقاش العمومي. وهذا لن يتم ما لم نعترف بأن:
الصحافة ليست عدوًا للدولة، بل شريكًا نقديًا في مشروع بنائها؛
النقد لا يهدد الأمن، بل يطوره ويُحصّنه من الأخطاء؛
الكلمة لا تُعاقَب، بل تُناقَش وتُواجَه بالكلمة.
ثالثًا: المراجع الداعمة لحرية الصحافة والتعبير
الفصل 28 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011: “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية.”
الفصل 25 من نفس الدستور: “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها.”
المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير…”
المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: تضمن الحق في تلقي ونقل المعلومات دون تدخل من السلطة.
توصيات مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة: التي تدعو الدول إلى وضع آليات لحماية الصحفيين لا لمحاكمتهم، وإلغاء العقوبات السجنية في قضايا التعبير.
رابعا وأخيرا: تضامننا الأكبر يجب أن يكون مع الحرية ذاتها، لا مع الأشخاص فقط.
فأن يتعرّض صحفي للسجن بسبب رأيه، فذلك مؤشر على اختناق المساحة العامة.
وأن تُسنّ قوانين تُقيد الصحافة بدل أن تحميها، فتلك علامة على تراجع الدولة عن التزاماتها الدستورية والدولية.
لهذا، لا تتضامنوا مع حميد المهداوي كشخص، بل تضامنوا مع حرية الرأي، مع الكلمة، مع الوطن كما يجب أن يكون.














