> “الحُبُّ مَا مَنَعَ الكَلَامَ الألْسُنَا … وَأَلَذُّ شَكْوَى عَاشِقٍ مَا أَعْلَنَا” – المُتَنَبِّي
بدأ كل شيء بمصادفة بحتة، بلقاء عابر على ضفاف النهر. رأيتها هناك، شقراء بوجهٍ مشرق، كأنما وُلِدَت من نور شمس ذلك الصباح البارد. كنت في الستين من عمري، وقد اعتدت أن أرى العالم بعين الحكمة، لكن تلك المرأة زلزلت كياني.

كنت أقول لنفسي: ما هذا الجنون؟ كيف أفسر النار التي أشعلتها في صدري؟ عيناها الخضراوان كانتا تطلان عليّ كنافذتين إلى عالم آخر. لم تكن مجرد امرأة حسناء؛ كانت قصيدة تسير على الأرض، وكانت تذكّرني بما ضاع مني في عنفوان شبابي.
“أنتَ شاعرٌ تتلاعب بالكلمات”، قالت لي ذات مرة بابتسامة ساخرة، “والشعراء يتبعهم الغاوون. كيف تريدني أن أصدقك؟”
رددت عليها بصدق لم أكن أعلمه في نفسي: “اتبعيني، ولنجعل الحب غوايتنا الأولى والأخيرة. وليكن طريقنا نحو الجنة أو النار، لا يهم.”
ضحكت ضحكة مليئة بالحياة، لكنها حملت شيئًا من الحذر. ثم نظرت إليّ نظرة طويلة قبل أن تقول: “أتعلم؟ أنت تذكرني بزوجي المتوفى. كان رجلًا أنيقًا، بعينين جميلتين وخفة روح لا مثيل لها. لكنه لم يكن يملك خفة الدم التي تجعل منك بحرًا فياضًا بالعاطفة.”
توقفت لحظة، وكأنها تتأملني بعمق، ثم أضافت: “أنت حيوات في حياة، يا سعيد. لكن، هل تعتقد أنني سأوافق على الزواج منك؟”
لم أكن أعرف الإجابة عن سؤالها، ولم أجرؤ على محاولة الإقناع. تركت الزمن يقرر، وبدأنا نتقابل بشكل منتظم. كنا نجلس على ضفاف النهر، حيث الأمواج تعزف موسيقى هادئة، أو نتسكع في الأزقة القديمة حيث يختلط عبق القهوة برائحة التاريخ. كنت أشعر أن كل لقاء معها يضيف عامًا جديدًا إلى حياتي، أو ربما يعيد إليّ عامًا من شبابي.
كانت تتحدث عن حياتها كمن يحكي فصولًا من رواية حزينة. أخبرتني عن زوجها الذي فقدته في حادث سير قبل خمس سنوات. كانت ذكراه تسكنها كظلٍّ دائم، لكنها لم تكن تمانع أن أكون شمسًا جديدة في حياتها.
كنت أقول لها دائمًا: “الحب لا يعرف عمرًا، يا ليلى. هو مثل النهر؛ يجري دون أن يسأل عن الوقت أو المسافة.”
فتردّ بابتسامة مرحة: “لكن النهر لا يتوقف، وأنتَ يا سعيد، قد تتوقف يومًا بسبب تعب في القلب!”
استمرت لقاءاتنا، وكأنها حلقات من مسلسل طويل لا نريد له أن ينتهي. كنت أعلم أنني وقعت في حبها، لكنها كانت تحيرني. أحيانًا تكون دافئة مثل شمس الربيع، وأحيانًا باردة كليلة شتوية.
ثم، في أحد الأيام، بينما كنا نجلس تحت شجرة كبيرة قرب النهر، نظرت إليّ وقالت:
“سعيد، هل تعرف لماذا أستمتع بوقتي معك؟”
هززت رأسي نافيًا، فقالت:
“أنتَ تذكرني بالحياة. أنتَ لست مجرد رجل؛ أنت فكرة مفادها أن الزمن قد يكون عادلاً أحيانًا، وأنه يمكننا أن نجد الحب حتى عندما نظن أنه فات الأوان.”
لكنها أضافت بحزم: “لا أريد أن أكون مجرد فصل في حياتك، ولا أريدك أن تكون مجرد محاولة لنسيان ماضٍ لن يعود.”
أدركتُ أن كلماتها كانت اختبارًا، لكنها كانت أيضًا حقيقة.
وذات يوم، قررتُ أن أطرح عليها سؤال الوجود والعدم. كنا في مقهى صغير، يتراقص على نغمات حزينة من البلوز، نحتسي القهوة ونستمع إلى أغاني نورا جونز. قلت لها: “ليلى، هل تقبلين أن تكوني شريكة حياتي؟”
ابتسمت، نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت: “أوافق… لكن بشرط واحد.”
قلت متحمسًا: “ما هو؟ سأفعل أي شيء من أجلك.”
قالت بابتسامة ماكرة: “أن تتعلم الطبخ. لأنني لن أعيش مع رجلٍ لا يعرف كيف يطهو شيئًا سوى البيض المقلي!”
ضحكنا معًا، وكانت تلك اللحظة هي الإجابة التي انتظرتها طوال الوقت. لم تكن ليلى بحاجة إلى وعودٍ طويلة أو كلماتٍ شاعرية. كانت بحاجة إلى رجلٍ يمكنه أن يشاركها الحياة بحقيقتها البسيطة، بحلوها ومرّها.
تزوجنا بعد بضعة أشهر، في حفل بسيط حضره الأصدقاء المقربون فقط. كنا نقف هناك، أنا وهي، وكأننا شابان في العشرين. لم يكن العمر يعني شيئًا، فالحب هو البداية والنهاية… هو المبنى والمعنى.
واليوم، بعد عشر سنوات من زواجنا، أستيقظ كل صباح وأجدها بجانبي، وأشعر أنني معها أكثر نضارة وشبابًا. فأدرك أنك، أيها الحب، صاعق كالكهرباء، وأنك منفلت من إسار الزمكان، وأنك، أيها الحلو اللذيذ، تمامًا مثلي، ترفض أن تشيخ.















