“نأتي كل عام طلباً للبركة”، تقول امرأة خمسينية وهي تضع يداً على الضريح وأخرى تحمل شمعة مضاءة، قبل أن تضيف بصوت مبحوح: “هنا نجد ما لا نجده في أي مكان آخر”.
منذ أن تطأ قدماك قرية سيدي علي بن حمدوش، الواقعة على بعد كيلومترات قليلة من مدينة مكناس، يلفت انتباهك المشهد غير المألوف: أزقة ضيقة تكتظ بالزوار، محلات صغيرة تعرض البخور والشموع وأقراص الموسيقى الشعبية، نساء بملامح متعبة يحملن أواني الطهي التقليدي، ورجال يتزاحمون حول بائعي الأعشاب والتمائم.
أصوات وطقوس متداخلة
الهواء مشبع برائحة البخور والدخان المنبعث من مواقد الفحم، بينما تتداخل أصوات الدفوف والغيطة مع صرخات الباعة المنادين على بضاعتهم.
في الساحات المحيطة بالضريح، تنعقد حلقات الذكر التي تقودها فرق صوفية بلباسها الأبيض، بينما على بعد خطوات قليلة، يعلو صوت الغناء الشعبي مصحوباً برقصة “العيطة”.
المشهد يبدو وكأن التصوف والفرجة الشعبية يتقاسمان المكان بلا حدود فاصلة.

المغارات.. مسرح الطقوس السرية
مع حلول الليل، تكتسب القرية طابعاً أكثر غموضاً. تتجه قوافل الزوار نحو المغارات القريبة، حيث يعتقد أن “للا عيشة البحرية” تسكن بين الصخور.
هناك، تتناثر الشموع على الجدران المظلمة، وتتعالى الهمسات والدعوات. بعض النساء يقمن بطقوس الاغتسال بالماء البارد، وأخريات يقدمن القرابين من أضاحي صغيرة.
الرجال والنساء معاً ينخرطون في رقصات هستيرية على إيقاع الطبول، في محاولة لـ”التواصل” مع القوى الغيبية.
الهامش الذي يفضح المكبوت
الموسم ليس فقط فضاءً للتعبد الشعبي، بل أيضاً ساحة للتعبير عن مكبوتات اجتماعية. هنا قد ترى شباباً وشابات يختبرون حريات شخصية وجسدية نادراً ما تسمح بها المدن والقرى المغربية.
البعض يبحث عن علاج للسحر أو “فك العكس”، فيما يجيء آخرون لاكتشاف فضاء يمنحهم هوية بديلة مؤقتة بعيداً عن رقابة المجتمع.
بين العين السوسيولوجية ونبض الناس
وبين صخب الطبول ورائحة البخور التي تملأ المكان، يطلّ الباحث السوسيولوجي هشام بوقشوش بنظرته التحليلية، ليضع الموسم في إطاره العلمي.
فبالنسبة له، لا يقتصر موسم سيدي علي على بعده الديني فقط، بل هو فضاء متعدد الوظائف: علاجية ورمزية، حيث يجد الزائرون في النذور والحضرات نوعاً من التداوي الروحي وتفريغاً نفسياً جماعياً، ثم اقتصادية من خلال ما يخلقه من أسواق موسمية وتجارات شعبية وخدمات روحانية وفنية.
كما أنه، في نظره، ذاكرة حية للتصوف الشعبي، خصوصاً الحمدوشية والعيساوية، وطقس جماعي يعيد شحن الروابط الاجتماعية بشكل دوري.
ويفسر بوقشوش قوة حضور طقوس السحر والروحانيات بكونها استجابة لحاجات وجودية ونفسية لدى الناس؛ مواجهة القلق واللايقين، البحث عن علاج لمشاكل العقم والمرض والزواج، أو حتى مجرد الرغبة في الأمل.
لذلك يجد الزائر في الشوافات، البخور، الذبائح، وتفسير الأحلام بديلاً عن العلاجات الرسمية، في إطار ما يسميه الباحث “اقتصاداً روحياً غير رسمي” يزدهر كل عام مع الموسم.
أما الجدل الذي يثار حول الممارسات الهامشية كالمثلية أو الانفلات الأخلاقي، فيراه الباحث انعكاساً لطبيعة الموسم كفضاء “حدّي”، أي منطقة انتقالية تُعلَّق فيها بعض القواعد الصارمة، فيظهر ما هو مكبوت ومقصي في الحياة اليومية.
ومع ذلك، يؤكد أن الأمر لا يتعلق بمؤسسة مثلية أو ممارسة منظمة، بل فقط بظهور مؤقت لهويات مهمّشة تحت غطاء الطقس والازدحام.
وبينما تنظر الدولة إلى الموسم باعتباره جزءاً من التراث الثقافي اللامادي ورأسمالاً سياحياً، فإنها تظل حاضرة بآليات الرقابة عند أي تجاوز أو ضغط إعلامي.
المجتمع بدوره ينقسم بين مؤيد يرى فيه بركة وهوية محلية وروحانية، ومعارض يعتبره خرافة أو تهديداً أخلاقياً.
وهكذا يبقى الموسم، كما يصفه بوقشوش، مختبراً اجتماعياً يكشف عن عمق الهوية المغربية، بما تحمله من تناقضات بين المقدس والهامشي، بين الحاجة إلى البركة والرغبة في الانفلات.
جدل لا ينتهي
بين من يعتبر الموسم فضاءً لترسيخ الصلة بالتصوف، ومن يدينه باعتباره مرتعاً للشعوذة والانحراف، يظل سيدي علي بن حمدوش حدثاً استثنائياً يختزل تناقضات المجتمع المغربي: إيمان راسخ بالمقدس، وانجذاب دفين نحو الغريب والغامض.















