بصراحة، كصحافي وحقوقي، يحزنني مشهد الانحطاط الذي وصلت إليه بعض الصحف المغربية، بل جزء كبير من الصحافة المغربية، التي تركت حجم الفساد المنتشر في كل مكان (تذكروا ما جاء في تقرير هيئة النزاهة)، وحجم الظلم في العديد من المؤسسات وخاصة تلك التي لها علاقة بالمواطن (تذكروا أيضا ما جاء في تقرير وسيط المملكة حول تظلمات المواطنين وخاصة وزارة الداخلية التي تصدرت عدد تظلمات المغاربة).
الصحافة ركيزة أساسية في المجتمعات الحديثة، حيث تُعد وسيلة لنقل الحقيقة، وتنوير الرأي العام، ومساءلة المسؤولين. إلا أن غياب الأخلاق المهنية في بعض المؤسسات الصحفية في المغرب أضحى موضوعًا يثير قلق العديد من المهتمين بالمجال الإعلامي، لما يترتب عليه من تداعيات خطيرة على ثقة الجمهور ودور الصحافة في تعزيز الحرية والديمقراطية.
مظاهر غياب الأخلاق المهنية في الصحافة المغربية، تتجلى في العديد من الجوانب، أبرزها: التشهير وخاصة التشهير الذي يقوم به “صحافيون” ضد زملاء لهم.
صحافيون مغاربة يعتبرون من خيرة الصحافيين مهنيا، كتوفيق بوعشرين، سليمان الريسوني، عمر الراضي، حميد المهداوي، وقبلهم أبوبكر الجامعي وأحمد رضى بنشمسي وعلي لمرابط، تعرضوا ويتعرضون للإساءة أو التحريض من طرف صحافة لا قيم و لا أخلاق لها.
إن التشهير، ظاهرة خطيرة تهدد حرية الرأي والتعبير والصحافة والأفكار والإبداع. بل ظاهرة تقوض الأخلاق المهنية التي تعتبر عصب مهنة الصحافة. هذه الظاهرة يمكن أن تتجلى في استخدام لغة عدائية أو اتهامات غير مبررة ضد الصحافيين. أو تهديدات مباشرة أو مضايقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما يؤدي غياب الأخلاق في الصحافة إلى تآكل الثقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية، وهو ما يضعف دور الصحافة كآلية لرقابة كل السلطات، و إلى تعزيز الانقسامات المجتمعية ونشر خطاب الكراهية، إلى جانب الإضرار بسمعة الصحافة المغربية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
قضية بوعشرين والريسوني مثال واضح على غياب الأخلاق في الصحافة المغربية، حيث تم استغلال منابر إعلامية لتشويه سمعة الأفراد على حساب الحقيقة. لذلك، نرى أن التشهير في المغرب أصبح ظاهرة مقلقة أثارت نقاشات واسعة حول دور الصحافة، وحدود الحرية الإعلامية، واستغلال الإعلام كأداة للضغط والتأثير.
بعض التقارير الإعلامية و الحقوقية، تشير إلى وجود منابر إعلامية قد تعمل بتوجيه من جهات سياسية، مالية أو سلطوية تستخدم الإعلام كوسيلة لتصفية الحسابات مع خصومها، سواء كانوا سياسيين، صحفيين، أو نشطاء حقوقيين. يتم توظيف هذه الوسائل للتأثير على الرأي العام وإضعاف مصداقية المعارضين من خلال حملات تشهير ممنهجة.
لأن الهدف من التشهير هو إسكات الأصوات المعارضة وذلك باستخدام حملات التشهير لضرب مصداقية النشطاء السياسيين والصحفيين الذين ينتقدون السلطات أو يكشفون قضايا حساسة. من خلال نشر معلومات منحازة تخدم أجندة معينة. كما تهدف بعض الحملات إلى تقويض ثقة الجمهور في أفراد أو كيانات مؤثرة.
الصحافيون المستقلون غالبًا ما يعملون بعيدًا عن أجندات الجهات السياسية أو الاقتصادية، مما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع مراكز النفوذ. من خلال كشف الفساد أو سوء الإدارة، يصبحون هدفًا لمحاولات التشهير بهدف إسكاتهم. لأن الصحافة المستقلة تغطي قضايا حساسة مثل حقوق الإنسان، الحريات الفردية، والفساد، وهي مواضيع قد لا ترغب بعض الجهات في تداولها.لذلك يتم تسخير منابر إعلامية مدعومة سياسيًا أو ماليًا لتشويه صورة الصحافيين المستقلين، عبر نشر تقارير مضللة أو تسريب معلومات شخصية، حيث يتم اتهامهم أحيانًا بأنهم يعملون لصالح جهات خارجية، وهو اتهام شائع لتقويض شرعيتهم الوطنية والمهنية.
كما تهدف حملات التشهير إلى جعل الجمهور يشكك في نزاهة الصحافيين المستقلين ومصداقيتهم، وبالتالي التأثير على دورهم كصوت حر. كما تُرسل هذه الحملات رسالة واضحة للصحافيين الآخرين بعدم تجاوز “الخطوط الحمراء”. وذلك لإبعاد الأنظار عن القضايا الحقيقية، وبالتالي تحويل الأنظار نحو الصحافي نفسه، لتشتيت الانتباه عن القضايا التي يثيرها.
استهداف الصحافيين المستقلين في المغرب يعكس صراعًا بين حرية التعبير ورغبة بعض الجهات في السيطرة على الفضاء الإعلامي. بينما يظل التشهير وسيلة للضغط، فإن تضامن الصحافيين والجمهور مع الصحافة المستقلة يبقى ضروريًا للحفاظ على دور الإعلام كسلطة رابعة تحمي الحقيقة وتحاسب المسؤولين.
صحافة التشهير في المغرب تعكس تداخل المصالح السياسية والاقتصادية مع الإعلام، مما يُضعف دوره كمصدر مستقل وموضوعي للمعلومة. مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاتف جهود الصحفيين المستقلين، المجتمع المدني، والجمهور لضمان صحافة نزيهة تحترم الحقوق والحريات.















