لم تكن كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب مجرد بطولة لكرة القدم، بل تحولت إلى محكمة مفتوحة حاكمَت فيها المدرجاتُ أخلاقَ الجماهير قبل أن تحاكم النتائجُ المنتخبات.
فهناك من خرج منها مرفوع الرأس، وهناك من خرج عارياً من القيم، مهما حمل من كؤوس أو ميداليات.
منذ الأيام الأولى، أكد الجمهور المغربي أنه الحلقة الأقوى في هذه النسخة. امتلأت الملاعب، وانتظمت الهتافات، وسادت أجواء احتفالية راقية، جعلت من المدرجات امتداداً لنجاح التنظيم لا عبئاً عليه.
لم يكن التشجيع مجرد صراخ، بل رسالة واضحة مفادها أن الكرة يمكن أن تكون مدرسة في السلوك قبل أن تكون مسرحاً للأهداف.
لكن في الضفة الأخرى، انكشفت هشاشة خطيرة في ثقافة بعض الجماهير، حين تحوّل الشغف إلى عدوان، والانتماء إلى كراهية، والانتصار إلى مبرر أخلاقي لكل انحراف.
فالأحداث التي تلت النهائي، وما رافقها من اعتداءات ومضايقات ضد مغاربة، لم تكن لحظة غضب عابرة، بل سقوطاً مدوّياً لقيم يفترض أنها أساس الرياضة.
هنا لا نتحدث عن “تصرفات فردية” كما يحاول البعض التخفيف، بل عن مناخ عام غذّته خطابات إعلامية شعبوية، وأوهام تفوق قومي، وخلط خطير بين المنافسة الرياضية والصراع الهوياتي.
حين يصبح المشجع قاضياً وجلاداً في آن واحد، فاعلم أن اللعبة خرجت من يد الرياضيين ودخلت في يد الغوغاء.
الأدهى أن بعض المنابر، بدل أن تدين هذا الانحراف، اختارت التبرير والتبرج القومي، وكأن الاعتداء بطولة، وكأن الإساءة رد اعتبار، وكأن الأخلاق ترف لا مكان له حين تهتز شباك أو تُرفع كأس.
في هذا السياق، لم يربح المغرب فقط تنظيم البطولة، بل ربح معركة المعنى. ربح صورة البلد الذي يعرف كيف يفرح دون أن يهين، وكيف يخسر دون أن ينتقم، وكيف يستضيف دون أن يستعلِي.
جمهورٌ فهم أن المدرجات ليست ساحة حرب، بل فضاء حضاري تُختبر فيه رقي الأمم قبل قوة منتخباتها.
أما من اختار طريق الفوضى، فقد خسر أكثر مما يتصور. خسر احترام القارة، وخسر تعاطف الجماهير، وخسر قبل ذلك احترامه لنفسه.
فالكرة تُنسى نتائجها بعد أسابيع، لكن صور الاعتداء والكراهية تبقى شاهدة لسنوات.
كأس إفريقيا 2025 علّمتنا درساً قاسياً: ليس كل من يهتف مشجعاً، وليس كل من يربح منتصراً، وليس كل من يخسر مهزوماً. أحياناً، يكون الخاسر الحقيقي هو من خرج من البطولة وقد هزم القيم… قبل أن يهزم الخصم.
.















