لم يكن من السهل الكتابة عن أحداث مباراة أولمبيك آسفي واتحاد العاصمة فور صافرة النهاية؛ فالمشاهد الصادمة التي رافقت اللقاء تطلبت مرور أكثر من 24 ساعة لاستساغة ما حدث و اتضاح الرؤية التحليلية. ما حدث في ملعب المسيرة لم يكن مجرد خروج رياضي مرير لفريق مغربي، بل كان درسا قاسيا في كيفية “تسميم” الأجواء الرياضية واستغلال الكرم المغربي لتحقيق مآرب تكتيكية ونفسية بعيدة كل البعد عن الروح التنافسية.
عاد القرش المسفيوي من الجزائر بتعادل سلبي (0-0)، وهي نتيجة رغم انها ملغومة لكنها إيجابية تقنيا. خصوصا في ظل مجريات المباراة و منع المشجعين من دخول الأراضي الجزائرية و مضايقات للاعبين واحتجاز الجوازات
في آسفي، كانت الصورة مغايرة تماما؛ استقبل المغاربة جماهير اتحاد العاصمة بـ “برارد الشاي” والترحيب في المنازل، وفتحت لهم الأبواب في تجسيد حي لقيم الكرم المغربي الأصيل، بل وزعت عليهم التذاكر بالمجان لتسهيل مأمورية تشجيع فريقهم. لكن، وبمجرد الدخول إلى أسوار الملعب، انقلبت الآية؛ وبدلا من رد التحية بأحسن منها، انخرطت جماهير الفريق الضيف في استفزازات مجانية، وصلت ذروتها باقتحام أرضية الملعب، مما دفع جمهور آسفي لرد فعل دفاعا عن حرمة ملعبه، لتتوقف المباراة لأكثر من ساعة و20 دقيقة.
هنا تحديدا، نجح المخطط الذي يبدو أنه رُ
سم بدم بارد؛ حيث أخرجت المباراة من سياقها الفني. دخل لاعبو أولمبيك آسفي اللقاء مشتتي الذهن، تحت وطأة التوتر والضغط النفسي لما حدث في المدرجات. وفي خضم هذا الارتباك، اصطاد اتحاد العاصمة ضربة جزاء في الأنفاس الأخيرة من الشوط الأول، قلبت الموازين بالكامل. ورغم قتالية لاعبي آسفي وتسجيل هدف التعادل عبر موسى كوني في الدقيقة 75، إلا أن قاعدة “الهدف خارج الديار” كانت الرصاصة التي أجهزت على طموح القرش المسفيوي، ليعبر الاتحاد في مباراة لم تُلعب فيها كرة القدم إلا في دقائق قليلة.
لعل أبلغ توصيف لما حدث، هو ما جاء على لسان الحارس يوسف مطيع في تصريح لخص معاناة اللاعب المغربي بمرارة وحرقة. مطيع لم يتحدث كرياضي خسر مباراة، بل كإنسان تعرض للخديعة، قائلا:
“حنا كنمشيو عندهم كنشوفو الويل كيحبسونا فالمطار وياخدو لينا باسبورات و يجلسونا ف الضس كيخليونا منشورين وكايتكرفصو على جمهورنا ، و هوما فاش كايجيو عندنا كنستقبلوهم ب برارد أتاي و التمر والحليب و شادين ليهم الخاطر .. را حنا جايين لعبو غا كورة ماشي نضاربو ، قارة كحلة باقيين في العصر الحجري و عقلية قديمة شوفو أوروبا ، صافي باراكا الله يرحم ليكم الوالدين”
كلمات مطيع عن “القارة الكحلة” و”العصر الحجري” لم تكن مجرد غضب، بل كانت مرآة لعقلية لا تزال تخلط الرياضة بصراعات وهمية، في وقت تخطت فيه أوروبا هذه الحواجز منذ عقود.
لقد خسر أولمبيك آسفي مقعدا في النهائي، لكنه ربح احترام الجميع بسلوكه الحضاري قبل المباراة، وخسر اتحاد العاصمة هيبة “البطل” حين فضل التأهل بـ “أساليب غير رياضية” تعتمد على شحن الأجواء واستفزاز الخصم. ستبقى مباراة آسفي والاتحاد وصمة عار في جبين التنظيم القاري، وتذكيرا بأن كرة القدم في إفريقيا لا تزال تحتاج للكثير من “الروح الرياضية” قبل الحديث عن “الاحتراف”.














