في امسية مونديالية حبست الانفاس، أكد المنتخب المغربي مجددا أنه يملك شخصية البطل القادر على تطويع أعتى الظروف. فبعد ملحمة بدنية ماراثونية استمرت لـ 120 دقيقة أمام هولندا، دخل اسود الاطلس مواجهة دور الستة عشر أمام منتخب كندي شري، تسلح بالقوة والاندفاع البدني، لكن الحصيلة النهائية كانت انتصارا تكتيكيا ونفسيا باهرا للمغرب بثلاثية نظيفة تناوب على تسجيلها المايسترو عز الدين أوناحي والقناص سفيان رحيمي.
بدأت المباراة بصراع تكتيكي معقد، حيث نجح جيسي مارش، مدرب كندا، في قراءة أفكار محمد وهبي خلال النصف الاول من اللقاء. فرض الكنديون رقابة خانقة وأغلقوا تماما زوايا التمرير على الثنائي نائل العيناوي وأيوب بوعدي، مما شل حركة البناء الهجومي المغربي المعتاد من الخلف، وأقفل كل المنافذ نحو الشباك.
ولم يتوقف الامر عند التكتيل الدفاعي، بل اعتمدت كندا استراتيجية بدنية عنيفة تهدف إلى إخراج لاعبي المغرب عن تركيزهم؛ وهو ما أسفر عن شوط أول مشحون شهد إشهار ست بطاقات صفراء (أربع للمغرب واثنتان لكندا). هذا الضغط العصبي كاد أن يبعثر الاوراق، لولا التحضير النفسي المسبق من المدرب وهبي الذي صرح قبل اللقاء بأن “مواجهة كندا هي الاهم والاكثر صعوبة”، واضعا احترام الخصم كقاعدة أساسية للصمود.
الاستفاقة المغربية في الشوط الثاني كانت مذهلة بكل المقاييس، حيث ظهرت الشخصية الحقيقية للأسود على أرضية الميدان. تحول الاداء إلى سيمفونية من التحولات السريعة، والضغط العكسي الخانق، والاندفاع الخاطف في المساحات. وفي الخط الخلفي، ارتدى الحارس المخضرم ياسين بونو ثوب الامان، مستعرضا هيبته في الخروج الذكي والتقاط كل العرضيات الكندية الخطيرة، بينما تكلل هذا الزحف بفكرة عبقرية من كرة ثابتة مدروسة أمنت التفوق المغربي.
لعب الاسود في هذا الشوط على شرفهم الكروي وبغرينتا استثنائية، ليتحول الصمود الدفاعي الكندي إلى انهيار تام أمام الطوفان المغربي الذي اكتسح الشباك بثلاثية تاريخية.
تجلت حنكة المدير الفني محمد وهبي في قدرته الفائقة على تصحيح أخطاء الشوط الاول وإدارة الازمة بذكاء؛ فبعد شوط البطاقات، نجح في توجيه لاعبيه لينتهي الشوط الثاني دون تلقي المغرب أي بطاقة صفراء.
أما نقطة التحول الكبرى فكانت التعديلات التكتيكية المبهرة والتبديلات الذكية في الدقيقة 63، والتي تمثلت في الآتي:
تحرير أوناحي: قام وهبي بنقل عز الدين أوناحي للعب بين الخطوط، بعيدا عن مناطق الضغط الكندي الخانق، مما منحه الحرية الكاملة لصناعة اللعب وتسجيل ثنائية حاسمة.
دخول سفيان أمرابط: جاء بدلا من بوعدي ليمنح وسط الميدان الصلابة الدفاعية اللازمة، والقدرة على مجاراة الكنديين في الصراعات البدنية المباشرة، وحماية اللاعبين أصحاب البطاقات.
إقحام شمس الدين طالبي:دخل بدلا من بلال الخنوس ليتحول فورا إلى سلاح هجومي فتاك، مستغلا سرعته الفائقة في ضرب المساحات الشاسعة خلف ظهير كندا المندفع والمتهور.
أثبتت الدقائق التسعون أن الفوارق الفنية عندما تصاحبها شخصية قوية وقراءة تكتيكية مرنة، تسحق الاندفاع البدني العشوائي. كندا قدمت كل ما تملك من ضغط وعنف واستفزاز، لكن دهاء محمد وهبي وانضباط الاسود حول المباراة إلى درس كروي بليغ، يعبر بالكرة المغربية إلى ربع النهائي بكبرياء عالمي مستحق.















