صدر حديثاً كتاب “الدراس السجن، لغة، معيشا وهوية” للكاتب والحقوقي أحمد حو، عن مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث، ليشكل إضافة نوعية إلى المكتبة المغربية في مجال الدراسات السجنية والاجتماعية.
ويأتي هذا الإصدار، الذي يقع في نحو 200 صفحة، ثمرة تجربة شخصية عميقة عاشها المؤلف داخل أسوار السجن، حيث يمزج بين الشهادة الحية والتحليل الاجتماعي واللغوي، ليقدم للقارئ قراءة غير مألوفة لفضاء يُصنع فيه الإنسان من جديد، وتُولد داخله لغة خاصة وقواعد غير مكتوبة.
ويشتغل الكتاب على ما يسميه المؤلف “اللغة السجنية”، وهي مفردات ومصطلحات متداولة داخل المؤسسات السجنية، لا تقتصر وظيفتها على التواصل، بل تشكل “مفاتيح لفهم المكان والعلاقات التي تحكمه”، وفق تعبير الكاتب.
ويشير المؤلف، في هذا الإطار، إلى أن هذه اللغة “ليست مجرد ألفاظ عابرة، بل نظام دلالي كامل” يعكس تراتبية القوة والضعف والولاء والخطر داخل السجن، ويجعل من فهمها شرطاً للبقاء والتكيف مع هذا العالم المغلق.
ولا يتوقف الكتاب عند حدود المصطلحات، بل يمتد ليشمل مكونات أخرى من الثقافة السجنية، من بينها الوشوم التي تحمل دلالات خاصة داخل السجن تختلف عن وظيفتها الجمالية خارجه، إلى جانب الأغاني التي تعبر عن معاناة السجناء أو احتجاجهم على ظروف الاعتقال.
كما يتناول المؤلف الأمثال والقواعد غير المكتوبة التي تنتقل بين السجناء، “وخاصة من السجناء القدامى إلى الجدد”، وما ينتج عنها من علاقات اجتماعية وتراتبية خاصة.
ويتميز الكتاب بكونه لا يكتفي برصد الظاهرة السجنية في المغرب، بل يقارنها بمصطلحات مستخدمة في سجون عدد من الدول، من بينها تونس ومصر وفلسطين وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
ويخلص المؤلف، من خلال هذه المقارنة، إلى أن “الواقع السجني يتشابه وينتج المفاهيم والمسلكيات نفسها”، بغض النظر عن السياقات الثقافية والقانونية المختلفة، وهو ما يمنح الكتاب بعداً مقارناً يثري التحليل.
أما المؤلف أحمد حو ليس باحثاً أكاديمياً يكتب عن السجن من الخارج، بل هو معتقل سياسي سابق في “سنوات الرصاص”، عاش تجربة الاعتقال والإعدام، حيث كان محكوماً به، قبل أن يصدر عليه عفو.
ويُعد حو من الوجوه الحقوقية البارزة في المغرب، حيث ساهم في تأسيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، واشتغل مع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، كما كان عضواً في لجان زيارة السجون والوقوف على أوضاعها.
وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب يمثل امتداداً لمساره الحقوقي والفكري، حيث سبق أن نشر سيرته الذاتية تحت عنوان “عائد من المشرحة”، التي تحكي تجربته داخل زنزانة الإعدام.














