مع حلول العطلة الصيفية، تتحول فترة الفراغ لدى عدد من الأطفال إلى فرصة للانخراط في برامج تحفيظ القرآن الكريم ، في وقت تتعدد فيه الفضاءات التي تحتضن هذا التعليم.
فإلى جانب «المسيد» التقليدي، الذي ظل لعقود فضاء راسخا لتعلم القرآن، برزت مراكز وحلقات وبرامج تعتمد أساليبا أكثر تنظيما من حيث التوقيت وتقسيم المستويات وطرق المتابعة. وبينما تختلف هذه النماذج في الفضاء وطريقة التعليم والتنظيم، تظل الغاية المشتركة بينها واحدة: تعليم القرآن الكريم وتحفيظه.
من المسيد إلى فضاءات أكثر تنوعا
ارتبط تعليم القرآن الكريم في المغرب، لسنوات طويلة، “بالمسيد” باعتباره فضاء تقليديا لتعلم القراءة والحفظ. وكان «اللوح» وطرق التلقين والمراجعة جزءا من تجربة تعليمية متوارثة، حافظت على حضورها داخل المجتمع المغربي.
ومع تغير أنماط الحياة وتوسع المدن، برزت صيغ جديدة في تنظيم هذا التعليم.
وفي هذا السياق، أوضحت الأستاذة ليلى لجريدة «لو بوكلاج» وهي أستاذة في التعليم الابتدائي ، أن أثر حفظ القرآن الكريم على ذهن الطفل يبدو جليا؛ حيث أوضحت من واقع احتكاكها الميداني اليومي بالتلاميذ أن الأطفال الذين يحفظون أجزاء من القرآن الكريم، سواء كان جزءا واحدا أو أكثر، يتميزون تلقائيا بذاكرة نشيطة وقدرة استيعاب أكبر في شتى الدروس والمواد ، وليس فقط في المادة القرآنية، إذ يصبح التلميذ بفضل هذا النشاط الذهني أسرع بديهة في التقاط الشروحات وتخزين المعرفة بسهولة، مما يمهد له الطريق لمسار دراسي متميز.
وبناء على هذا الإقبال والطلب المتزايد، أصبحت بعض برامج التحفيظ تعتمد أوقاتا محددة، وتقسم الأطفال بحسب أعمارهم أو مستوياتهم، كما تخصص فترات للحفظ وأخرى للمراجعة والتجويد، بما يمنح العملية التعليمية إطارا أكثر انتظاما يتخذ أشكالا مختلفة، من حلقات تنظم داخل المساجد إلى مبادرات ومراكز تقدم حصصا مكثفة خلال العطلة، ما جعل فضاءات تعليم القرآن الكريم أكثر تنوعا، دون أن يعني ذلك بالضرورة القطيعة مع الكتاب التقليدي.
الصيف فرصة لتكثيف برامج التحفيظ
وتبرز الفوارق بين هذه الصيغ بشكل أوضح خلال العطلة الصيفية، التي تتيح للأسر اختيار برامج تتناسب مع احتياجات أبنائها ووقتهم المتاح. فبينما تستمر حلقات التعليم التقليدية في أداء دورها، تستفيد مراكز وبرامج أخرى من فترة العطلة لتنظيم حصص مكثفة ومنتظمة للحفظ والمراجعة والتجويد.
وتختلف هذه البرامج من حيث مدتها وطريقة تنظيمها، إذ قد تعتمد نظاما يوميا مكثفا أو حصصا أسبوعية، بحسب طبيعة كل برنامج والجهة المشرفة عليه. وفي المقابل، يظل المسيد بالنسبة إلى كثير من الأسر فضاء مرتبطا بنمط تقليدي في تعليم القرآن الكريم، يقوم على التلقين والمراجعة داخل إطار جماعي؛ حيث كان الحفظ قديما يعتمد بالأساس على آلية التسميع والترديد والكتابة على اللوح الخشبي قبل الانتقال إلى جزء جديد.
وهكذا، لا يمثل الصيف مجرد فترة زمنية تزداد خلالها برامج التحفيظ، بل يكشف أيضا عن تعدد الصيغ التي أصبح من خلالها تعليم القرآن الكريم متاحا للأطفال، بين فضاء تقليدي يحافظ على أسلوبه المتوارث، وبرامج حديثة تعتمد قدرا أكبر من التنظيم والتخصص.
بين الموروث التقليدي والتنظيم الحديث
يكشف هذا التنوع عن اختلاف في الوسائل والفضاءات أكثر مما يعكس اختلافا في الغاية. فالمسيد لا يزال حاضرا في عدد من المناطق، كما تستمر الكتاتيب والمدارس العتيقة في أداء أدوارها، في حين انتشرت في المدن صيغ أخرى تحاول التكيف مع إيقاع الحياة اليومية ومتطلبات الأسر الحديثة من خلال أساليب أكثر تنظيما و تخصصا في التعليم و المتابعة ، تبرز مجهودات القائمين على هذا الشأن لاستقطاب الأطفال والمراهقين.
وفي تصريحها لجريدة «لو بوكلاج»، أشارت الأستاذة ليلى إلى رصدها لتغير لافت في السنوات الأخيرة يجسد هذا التطور؛ حيث أصبح تلاميذ المستوى الثالث الابتدائي يناقشونها في حصص التربية الإسلامية حول قواعد التجويد وضوابط الترتيل، بالرغم من أن المقررات الرسمية لا تركز على هذه القواعد المعمقة إلا في المستويات العليا كالسنة الخامسة والسادسة ابتدئي. وعند استفسارها عن المصدر، تبين لها أن المشرفين والمشرفات في مراكز التحفيظ المعاصرة يحرصون بشدة على تلقين الأطفال مخارج الأصوات والحروف الصحيحة وآليات الترتيل العلمي، مما ينقل الحفظ من مجرد استظهار آلي إلى فهم وضبط لقواعد القراءة.
وبذلك، لا يبدو المشهد قائما على مواجهة بين نموذجين، بقدر ما يعكس تعدد الأشكال التي أصبح يتخذها تعليم القرآن. فهناك من يفضل الإطار التقليدي بما يحمله من ارتباط بالذاكرة الجماعية، بينما تميل أسر أخرى إلى برامج أكثر وضوحا من حيث التوقيت والمستويات وطريقة المتابعة. وفي الحالتين، تظل الغاية الأساسية واحدة: تعليم القرآن الكريم وتحفيظه، وإن اختلفت الفضاءات والوسائل وطرق التنظيم.















