نظم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب ، ندوة فكرية وازنة تحت عنوان “الثقافة كرهان تنموي.. أي دور للسياسات العمومية؟”، شارك فيها نخبة من المثقفين والأكاديميين، لبحث جدلية العلاقة بين الفعل الثقافي ومسارات التنمية والسياسات الحكومية.
عبد العزيز كوكاس: الثقافة ليست قطاعا تابعا بل هي دينامية وجودية
افتتح الكاتب والصحفي عبد العزيز كوكاس الذي سير مداخلات الندوة ، بطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية المصالحة بين “الرمز والاقتصاد”، وبين البنيات المادية والتمثلات الرمزية.
وأكد كوكاس أن التنمية لا يمكن أن تحقق نجاحا حقيقيا إذا ظلت الثقافة في الهامش، مشددا على ضرورة جعل الثقافة “حقاً يومياً” للمواطن وليست مجرد امتياز أو احتفال موسمي.

وأضاف كوكاس أن السياسات العمومية لن تنتج عدالة مجالية أو كرامة اجتماعية ما لم تدرك أن الثقافة هي الدينامية العميقة التي تمنح المجتمع معنى وجوده.
وهي الوعاء الذي يسمح للمشترك الوطني بالتعبير عن نفسه، محذرا في الوقت ذاته من هشاشة وضع الكتاب وغياب المقروئية في ظل العولمة الرقمية الكاسحة التي تهدد قدرة البلد على إنتاج رموزه وصوره وحماية خياله الجمعي.
عبد الله الساعف: موقع الثقافة في هندسة السياسات العمومية
من جانبه، توقف عبد الله الساعف ، الوزير السابق ورئيس مركز الأبحاث والدراسات الإجتماعية ، عند الأهمية الاستراتيجية للثقافة باعتبارها محددا بنيويا لأربعة مفاهيم كبرى ناظمة للسياسات العمومية، وهي: إعداد التراب، الاندماج الوطني، الهوية الوطنية، والمجال الديني؛ مبرزا أن “السياسة الثقافية” بمعناها الأنثروبولوجي العميق هي الركيزة الأساسية للتماسك المجتمعي وتدبير التعددية التي باتت اليوم بنية قوية تحتمل الاختلاف.
ومع ذلك، خلص الساعف إلى نتيجة مفادها وجود هوة سحيقة بين هذا الدور “المحوري” وبين واقع التنزيل؛ إذ ظلت الثقافة تاريخيا، ومنذ الاستقلال، تصنف كقطاع “ثانوي” في ترتيب أولويات الدولة.
وأوضح عبد الله الساعف أن ما يمنح من وسائل ومن إمكانيات لوزارة الثقافة ليس في مستوى الموقع الذي ينبغي أن تحتله الثقافة، وهو ما يجعلها في مركز لا يليق بها على مستوى السياسات العمومية رغم ما تلعبه من دور “حساس ومحوري” .
وأضاف المتحدث ذاته أن هذا التهميش قد انعكس في ضعف الميزانيات والموارد الممنوحة للوزارة الوصية، والتي لا ترقى لمستوى الرهانات المطروحة، مما أدى في المحصلة إلى تغير جذري في المشهد الثقافي؛ حيث تراجعت الأدوار التقليدية للكتاب والمبدعين أمام زحف “الثقافة الرقمية” التي أعادت رسم ملامح الحقل الثقافي بشكل جذري بعيدا عن الأنماط التقليدية التي كانت سائدة في السبعينيات والثمانينيات.
حسن أوريد:” المثقف هو قوة حدسية و لوحة قيادة” للمجتمع
وفي مداخلة عميقة، ركز المفكر حسن أوريد على أن الثقافة هي ما يجعل الحياة “خليقة بأن تعاش”، وهي مرتبطة بكرامة الأفراد واستمرارية الجماعات.
وميز أوريد بين “الصناعة الثقافية الثقيلة” و”الصناعة الثقافية الخفيفة”، ملاحظا أن الاهتمام الحالي ينصب على الأخيرة، بينما تراجع دور الكتاب والناشر كفاعلين مركزيين.
وشدد أوريد على أن المثقف يجب أن يشتغل بآليتي
“العقل والحرية” ، واصفاً إياه بـ “المزعج” والمنشق عن “الدوكسا” (الآراء السائدة)، كما يرى أن في هذا الإزعاج جوانب مفيدة لأنه يعمل كـ “لوحة قيادة” للمجتمع.
وقد حذر أوريد من سقوط المثقف في فخ “الانتماءات الهوياتية الضيقة” التي تساهم في تأبيد الوضع القائم.
كما أعرب عن توجسه من “التضخم المعرفي” في العصر الرقمي الذي قد يؤدي إلى فقدان الجوهر المعرفي، مشيرا إلى أن التحدي الأكبر القادم هو الذكاء الاصطناعي وقدرته على التفكير.
وقد خلصت الندوة الى وجود حالة من “صراع الوسائط وأزمة المعنى” فالإيكولوجيا الثقافية كما يستنتج عبد العزيز كوكاس بلغت منعطفا تاريخيا لا رجعة فيه ، وهي لحظة مفصلية بلغ فيها “العصر الغوتنبرغي” (عصر الطباعة) نهايته، وأن الرقمنة أحدثت في المخطوطات ما فعلته المطبعة قديما.
وأجمعت المداخلات على أن الرهان القادم هو انتشال الثقافة من الهامش حتى تصبح محركا أساسيا للتنمية الشاملة والكرامة الإنسانية.














