بعد مؤلفه السابق «في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة: قراءات في المحتوى والوسيط»، يواصل الإعلامي والباحث في قضايا الإعلام الدكتور مصطفى غلمان مشروعه الفكري النقدي من خلال كتابه الجديد مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات، الصادر عن دار آفاق للدراسات والنشر والاتصال. عملٌ يأتي في سياق مساءلة زمن تتكاثر فيه الشاشات بوتيرة أسرع من تكاثر الأسئلة، ويعيد طرح سؤال الإنسان داخل عالم رقمي متحوّل.
يندرج الكتاب ضمن حقل معرفي لا يزال محدود الاشتغال في السياق العربي، ويتناول التحولات العميقة التي يشهدها الإعلام المعاصر بوصفه فاعلًا مركزيًا في تشكيل الوعي وإعادة تنظيم علاقة الإنسان بالعالم، في ظل التوسع المتسارع للفضاءات الرقمية وشبكات التواصل.

يتمحور العمل حول سؤال الوعي الإعلامي الجديد باعتباره سيرورة تشكّل مستمرة، تتقاطع فيها الرقمنة مع الاجتماع والثقافة والأخلاق والسياسة، لا كمعطى جاهز أو ثابت. ومن هذا المنطلق، يسعى المؤلف إلى استعادة البعد الإنساني في مواجهة اختزال الإنسان داخل منطق الخوارزميات التي تحوّله إلى مجرد “مستخدم” أو “بيانات”.
تتوزع فصول الكتاب عند تقاطع الفلسفة والسياسة والعلوم الإنسانية، متنقلة بين مفاهيم السيادة التكنولوجية والاستعمار الرقمي، وجدليات الوعي الاصطناعي، وسيكولوجيا الشبكات، وصناعة الصورة والحقيقة، وصولًا إلى ديناميات الحرب الإعلامية وبروز أنماط جديدة من السلطة. كما يستنطق مفهوم “الذات الشبكية” وتحولات المجال العمومي، مستحضرًا مرجعيات فكرية متعددة، من النقد الفلسفي إلى الاستعارات الثقافية، مثل صورة “الزومبي الرقمي” ككائن يستهلك دون تأمل ويتحرّك دون وعي بما يتآكل من أخلاقياته ومعناه.
لا يقدّم «مستعمرات الضوء» أجوبة نهائية بقدر ما يفتح أفقًا للتفكير والمساءلة؛ إنه دعوة إلى اليقظة بدل الاستهلاك، وإلى مقاومة فكرية هادئة في مواجهة هيمنة الشاشات. وفي عالم مهدد باستبدال الذاكرة الإنسانية بمستودعات البيانات، يطرح المؤلف أسئلة وجودية حارّة: كيف يُصان الوعي من الذوبان؟ وكيف يُستعاد الإنسان من داخل آلة باتت بارعة في إعادة تشكيله؟
في المدخل العام، يؤكد الكتاب أن الإعلام الرقمي لم يغيّر الأدوات فحسب، بل أعاد تعريف شروط التفكير ذاته، ورسم حدودًا جديدة بين الفردي والجماعي، وغيّر توزيع الأدوار بين الدولة والمؤسسات والمستخدم العابر، مفرزًا مجالًا عموميًا متشظيًا تتلاشى فيه المسافة بين المرسل والمتلقي. ومن هنا، يتقدّم العمل كخريطة فكرية للوعي المعاصر في زمن الشبكات، تمزج العمق الفلسفي بتفكيك البنى الاجتماعية والثقافية لليومي الرقمي ضمن أفق نقدي واستشرافي.
وفي تقديمه للكتاب، يرى المفكر العراقي عبد الحسين شعبان أن مصطفى غلمان ينهض بأسئلة تنطلق من الفلسفة وتتجه نحو التفكيك ضمن رؤية شمولية ذات أفق إنساني رفيع، تجمع بين شفافية الأديب وخيال الروائي وصرامة الباحث، بعيدًا عن منطق التبجيل أو الرفض، ومن خلال تفكيك رصين للخطاب الرقمي وآثاره.
يقع الكتاب في 208 صفحات، ويضم تسعة أبواب إضافة إلى مقدمة وخاتمة، وصدر في طبعته الأولى سنة 2026، بوصفه عملًا يعيد مساءلة الحاضر ويستشرف ملامح المستقبل، ويعيد طرح سؤال الإنسان في زمن تحكمه «مستعمرات الضوء».















