أثارت الحلقة الأخيرة من برنامج كلام في السياسة،التي خصص حيزا مهما منها الإعلامي توفيق بوعشرين لقضية المثير للجدل حميد المهداوي، نقاشا واسعا في أوساط المتابعين.
وجاءت مداخلة بوعشرين محملة بتضامن غير مشروط مع المهداوي، لكنها تضمنت في الوقت ذاته انتقادات لأسلوبه، مما طرح تساؤلات حول طبيعة هذا الموقف وتأثيراته المحتملة في سياق إعلامي يتسم بالتعقيد.
لقد حرص توفيق بوعشرين على تأطير تضامنه ضمن مبادئ أخلاقية ومهنية، رافضا ما أسماه “تضامن القبيلة”.
وأكد أن دعمه للمهداوي ينطلق من “أخلاقيات المهنة التي من ضمنها تضامن الزملاء في المهنة والدفاع عن حرية الإعلام والنشر والكلام”، مشددا على أن حق المهداوي “مكفول في الرأي والتعبير وحتى الصراخ”، بغض النظر عن درجة الاتفاق أو الاختلاف معه.
هذا التأسيس المبدئي للتضامن منح بوعشرين، من وجهة نظره، أرضية لطرح تقييم نقدي لأسلوب المهداوي، في محاولة لتقديم قراءة داخلية قد تحمل وزنا مختلفا لدى المتابعين، وربما لدى الجهات المعنية، عن مجرد الدعم المطلق أو الإدانة الكاملة.
يعيش حميد المهداوي، الذي وصفه بوعشرين بـ”المعذب في الأرض”، وضعا صعبا يعكس محنة الاعتماد الكبير على اليوتيوب في التوجه للرأي العام.
فبعد تجربة السجن لثلاث سنوات، وجد المهداوي نفسه في مواجهة سلسلة جديدة من الملاحقات القضائية، التي شملت، حسب بوعشرين، دعاوى من “وزير العدل نفسه وبإذن من رئيس الحكومة”. وتشير هذه المعطيات إلى حملة منظمة، يرى بوعشرين أن هدفها النهائي هو “أن يدخلوه إلى السجن، ويقفلوا قناته المليونية وموقعه “بديل'”.
ويفهم من هذا السياق أن قلق السلطات لا ينبع بالضرورة من محتوى ما يقدمه المهداوي بقدر ما هو مرتبط بمدى وصوله وتأثيره وقدرته على حشد جمهور واسع خارج القنوات التقليدية.
وفي خضم هذا الدعم المعلن، وجه بوعشرين انتقادات لما اعتبره “تناقضات” في خطاب المهداوي. ووصف أسلوبه بـ”العفوي، التلقائي، البدوي”، الذي “لا يدير الكلام في فمه قبل أن يفتح الكاميرا”، مع إقراره بصدق نواياه.
تتجلى هذه التناقضات، بحسب تحليل بوعشرين، في محاولة المهداوي “أن يجمع المتناقضات في خطاب واحد: انتقاد الحكومة ومدح الحكم، الهجوم على الوزراء والثناء على المدراء، الشكوى من الأحكام والإشادة بالقضاء، البكاء أمام المحاكم وإبداء الاحترام للعدالة”.
ورغم إشارة بوعشرين إلى أن جمهور المهداوي، “خوتو المغاربة”، يتقبلون منه هذه الثنائيات ويفهمون مراميها، كما هو الحال مع شخصيات أخرى كعبد الإله بنكيران، إلا أن إبراز هذه النقاط في هذا التوقيت بالذات قد يفسح المجال لتأويلات مختلفة.
ففي بيئة استقطابية، يمكن لمثل هذا التحليل، حتى وإن صدر من باب التقييم المهني، أن يوفر مادة قد تستغل من قبل خصوم المهداوي لتعزيز صورة نمطية عن عدم اتساقه أو مصداقيته، بصرف النظر عن النوايا الأصلية لمطلق هذا التحليل.
إن حالة المهداوي، كما يصورها بوعشرين، هي انعكاس لأوضاع الصحافة في البلاد، حيث “أحوال المهداوي من أحوال البلد”. وتشير مجريات قضيته إلى أن المطلوب من الصحفي ليس مجرد الولاء، بل الامتثال الكامل، والدخول في الصف، وأن يكون على “سنة المجلس الوطني للصحافة المعين”، حسب تعبير بوعشرين.
وفي نفس السياق أثار بوعشرين تساؤلات عن دور الهيئات المهنية المفترض في حماية الصحفيين وضمان استقلالية المهنة.
ولا زالت آخر حلقة من برنامج كلام في السياسة تحظى بمتابعة واسعة وتسجل أرقاما قياسية وتثير جدلا عن تقييمات بوعشرين وما إن حملت في طياتها، عن قصد أو غير قصد، ما يمكن اعتباره “نيرانا صديقة”.















