يقف المرء حائرا أمام إبداعات الأستاذ الألمعي توفيق بوعشرين، أيهما أكثر تأثيرا وجاذبية: كتاباته المتألقة أم حضوره الإعلامي المتميز؟ ففي كلتا الحالتين، يجد المتلقي نفسه أمام شخصية استثنائية تمتلك القدرة على سحر العقول والقلوب معا. في مقالاته، تتدفق الأفكار كشلال من المعرفة والتحليل العميق، وفي ظهوره الإعلامي، يتجلى حضور آسر ساحر يجمع بين قوة الطرح وسلاسة الأداء.
ما يلفت النظر في بودكاست “كلام في السياسة” هو تلك القدرة الفريدة لصاحبه الإعلامي بوعشرين على الاسترسال في الحديث بتدفق طبيعي ومنطقي، دون لحظات تردد أو عبارات متكررة. إنه أشبه بفنان ماهر ينقش على الجبس بثقة ودقة، كل حرف يخرج من فمه محسوب بعناية، وكل فكرة تنساب بسلاسة لتكمل سابقتها. هذه القدرة البلاغية النادرة تجعل المتابع يتساءل عن سر هذه الموهبة الاستثنائية التي تتجاوز ما عهدناه حتى في أروقة الجامعات وقاعات المحاضرات.
وأذكر أني طرحت تساؤلا بهذا الخصوص في إحدى المحاضرات فكان جواب الأستاذ “أن سكان المغرب العربي يتفوقون في الكتابة عكس المشارقة فهم يبدعون في الخطابة بحسب إحدى الدراسات..”،
لم أقتنع حينها بجواب هذا الأستاذ الذي لا يحسن كتابة ولا خطابة، أو لعله محق في حال كان لبوعشرين جذور من الشام !
إلى جانب الخطابة، يتميز سلطان الصحافة كما يلقبه البعض بقدرة استثنائية على تفكيك القضايا المعقدة وتقديمها للجمهور بأسلوب سلس وعميق في آن واحد. فهو يمتلك موهبة فذة في المزج بين التحليل العميق والأسلوب البلاغي الراقي، مما يجعل محتواه الإعلامي متعة فكرية وثقافية للمتلقي.
في خضم المشهد الإعلامي المتخم بالضجيج أو كما وصفها بوعشرين في الحلقة الأولى ب “العصيدة”، يلفت الانتباه ذلك التزامن اللافت بين عودة بوعشرين للمشهد الإعلامي وتصاعد حملات التشويه المنظمة. هذا التزامن يثير تساؤلات حول طبيعة المعركة الحقيقية وأبعادها. فحين يتزامن إطلاق برنامج “كلام في السياسة” مع تصاعد هذه الحملات، يدرك المتابع الفطن أن القضية أعمق بكثير مما يظهر على السطح.
إن ظهور بوعشرين في منصات الإعلام الجديد يمثل نقلة نوعية في المشهد الإعلامي العربي. فهو يقدم نموذجا للصحافة الجادة التي تجمع بين المهنية العالية والجرأة في طرح القضايا الحساسة، مع الحفاظ على مستوى راق من الخطاب يحترم عقل المتلقي.
في الحلقة الثانية من “كلام في السياسة” أتحفنا بوعشرين بتنبؤاته لهذه السنة، ومن زاوية متابع أتوقع أن يشكل حضور بوعشرين واحة للفكر في صحراء التفاهة.
كما أتمنى أن يبادر لتأسيس مدرسة خاصة للإعلام يتقاسم فيها سلطان الصحافة تجربته الهائلة ودروس مساره المهني الفريد وبعضا من أسرار مهنة المتاعب.















