* العلمي الحروني منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد
منذ سنوات، تقدم فنزويلا في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي بوصفها أحد أخطر التهديدات المحتملة لـ”البترو-دولار”، أي النظام الذي يجعل الدولار العملة المهيمنة في تجارة النفط العالمية، منذ مسار التأميم الكامل لقطاع النفط من طرف هوغو تشافيز وبعده الرئيس المختطف نيكولاس مادورو وإخراج الشركات الأمريكية خاصة موبيل وفيليبس من فنوزيلا علما أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، أكبر من المملكة السعودية. هذا الخطاب يعاد بقوة كلما جرى الحديث عن بيع النفط الفنزويلي بعملات بديلة، خاصة اليوان الصيني المنافس الكبير للدولار. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تمثل فنزويلا فعلا خطرا حقيقيا على هيمنة الدولار، أم أن الأمر لا يعدو كونه تهويلا أو تهويسا سياسيا؟
لفهم هذه المسألة، لا بد من التمييز بين الرمزية السياسية والواقع الاقتصادي. فمن الناحية الرمزية، يشكل لجوء دولة نفطية إلى بيع جزء من صادراتها بعملة غير الدولار تحديا مباشرا للهيمنة الأمريكية. أما من الناحية الواقعية، فالأرقام تظهر أن هذا التحدي ما يزال محدوداً للغاية.
بحسب بيانات Bank for International Settlements وInternational Energy Agency، يتم تسعير ما بين 85 و90% من تجارة النفط العالمية بالدولار الأمريكي. وحتى في الحالات التي تستخدم فيها عملات أخرى، غالبا ما يبقى الدولار مرجعية غير مباشرة في التسعير. في هذا السياق، تبدو الصفقات الفنزويلية باليوان أو بعملات بديلة هامشية من حيث الحجم والتأثير.
لكن لماذا إذن كل هذا القلق الأمريكي؟ الجواب يكمن في البعد الرمزي والسياسي أكثر منه في الأثر الاقتصادي والمالي الفوري. ففنزويلا ليست قوة اقتصادية كبرى، لكنها دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، يقدر بأكثر من 300 مليار برميل وفق أرقام منظمة الأوبيك (OPEC) ومن هنا، فإن أي خروج ولو جزئي عن منظومة الدولار يحمل دلالة سياسية تتجاوز الوزن الفعلي للاقتصاد الفنزويلي.
تاريخيا، ارتبطت هيمنة الدولار بالطاقة ارتباطا وثيقا منذ سبعينيات القرن الماضي، حين جرى تثبيت تسعير النفط بالدولار في إطار تفاهمات أمريكية- سعودية. هذا النظام وفر لواشنطن امتيازات ضخمة، أبرزها القدرة على تمويل عجزها وطباعة العملة دون مخاطر. ولذلك، فإن أي تشكيك في هذا النظام أو محاولة استبداله ينظر إليه في واشنطن مساسا بالأمن القومي الأمريكي.
في حالة فنزويلا، تعرضت لحزمة قاسية جدا من العقوبات الغربية ، ولا سيما تلك التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا، قيودا مالية واقتصادية تستهدف الحكومة ومسؤولين بارزين فيها، إضافة إلى قطاعات حيوية على رأسها النفط والذهب والقطاع المصرفي. وتتضمن العقوبات تجميد أصول وحظر سفر ومنع الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، وقيودا على تصدير النفط والتعامل مع شركة النفط الوطنية، بهدف الضغط على الحكومة الفنزويلية بسبب قضايا سياسية.
ساهمت تلك العقوبات في دفع كراكاس إلى البحث عن بدائل لتمويل اقتصاد البلد المتضرر كثيرا من العقوبات. فبعد فرض قيود صارمة على التعامل بالدولار، لم يعد أمام الحكومة الفنزويلية سوى الالتفاف على النظام المالي الأمريكي. وهنا برزت الصين كخيار عملي ليس بدافع أيديولوجي بالضرورة، وإنما بحكم قدرتها على استيعاب جزء من النفط الفنزويلي خارج القنوات التقليدية.
غير أن هذا التحول لا يعني نهاية البترو-دولار. فالصين نفسها، رغم حديثها عن “تنويع العملات”، لا تزال تحتفظ بجزء كبير من احتياطاتها بالدولار، وتجري معظم تجارتها النفطية وفق آليات مرتبطة به. فحصة الدولار الأمريكي في احتياطيات العملات الأجنبية العالمية لاوزالت تشكل حوالي 58% في 2024 وفق تقريرCurrency Composition of Official Foreign Exchange Reserves (COFER) الخاص بـصندوق النقد الدولي، متقدما بفارق كبير على اليورو واليوان. من هنا، يرى عدد من الاقتصاديين أن فنزويلا تستعمل في الخطاب الأمريكي كفزاعة سياسية.
تحاول الولايات المتحدة إسقاط حكومة فنزويلا منذ أكثر من 23 عاما، وقد سعت بالفعل إلى الانقلاب على سلف نيكولاس مادورو، هوغو تشافيز. وتعتبر واشنطن فنزويلا عدوا لها لأن نظامها يساري، ولأنه يقوم على مبدأ أن الموارد الطبيعية ملك للشعب الفنزويلي بعيدا عن الإملاءات الأميركية الهادفة إلى السيطرة على النفط وجني عوائده. وفي هذا السياق، صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن “فنزويلا سرقت النفط الأميركي”، وهو خطاب يعكس بالأساس قلقا على الهيبة والنفوذ الأميركيين أكثر مما يعكس واقع الأرقام أو العلاقات التجارية، ويهدف إلى التعبئة الداخلية وليس ذلك بالتوصيف الدقيق للواقع.
وفي أميركا اللاتينية، ذهب ترامب أبعد من ذلك حين أعلن صراحة أن الولايات المتحدة تحكم نصف الكرة الغربي وأنها ستملي الشروط، قائلا ” النفط لنا “. هذا الخطاب لا يمكن فهمه إلا كتبرير صريح للاستيلاء على النفط الفنزويلي، خصوصا عندما أضاف أن الشركات الأميركية “ستعود لممارسة الأعمال في فنزويلا”. بهذا الوضوح والفجاجة، تكشف هذه التصريحات جوهر السياسة الأميركية تجاه فنزويلا بوصفها صراعا على السيادة والموارد، أما الدفاع عن الديمقراطية أو قيم العالم الحر فهراء.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن فنزويلا تسهم، ولو بشكل محدود، في اتجاه أوسع نحو تعددية نقدية ناشئة. فروسيا وإيران والصين وبعض دول مجموعة البريكس تتحدث بدورها عن تقليص الاعتماد على الدولار. غير أن هذا المسار بطيء ومتدرج ومحكوم بتوازنات معقدة، ليست فنزويلا عضوة بالبريكس ولا في موقع القيادة، بحكم ضعف اقتصادها، لكنها وجدت نفسها في موقع التجريب القسر.
الأهم من ذلك أن أي تفكيك حقيقي لهيمنة الدولار لا يمكن أن يتم عبر دول معزولة ومعاقبة، فالمهمة تتطلب كتلة اقتصادية كبرى ومنسقة، وهو ما لا يتوفر حاليا ولهذا، فإن تصوير فنزويلا كخطر داهم على النظام المالي العالمي يخدم بالأساس خطابا سياسيا يبرر استمرار الضغط والعقوبات.
يتضح من خلال هذا التحليل، أن فنزويلا لا تمثل تهديدا ماديا لنظام البترو-دولار، لكنها تمثل إزعاجا أو تشويشا رمزيا لهذا النظام القائم. إنها تذكر بأن هيمنة الدولار ليست قدرا أبديا، حتى وإن كانت ما تزال راسخة. وهذا التذكير وحده كاف لإثارة قلق واشنطن ودفعها إلى تضخيم الخطر بما يتجاوز حجمه الحقيقي لتبرير العدوان الامبريالي على النظام والشعب البوليفاري. ().
لم تعد فنزويلا، في السياسة الأمريكية، مجرد دولة مختلفة أيديولوجيا أو نظاما سياسيا معارضا للمصالح الأمريكية، إذ تحولت إلى مرآة عاكسة لأزمة أعمق: أزمة الهيبة الأمريكية في عالم يتغير. فالتصعيد الخطابي والتهديدات المتكررة والعقوبات الممتدة، وإن كانت كلها أدوات توحي بالقوة، فإنها في الواقع تكشف حدودها أكثر مما تؤكدها.
منذ سنوات، تتعامل واشنطن مع فنزويلا بمنطق “الضغط الأقصى”، دون أن تنجح في تحقيق هدفها المركزي المتمثل في تغيير النظام أو إخضاعه سياسيا. فنيكولاس مادورو ما يزال في السلطة، والمؤسسات الأساسية للدولة لم تنهار، والتحالفات الخارجية، وإن كانت محدودة، لم تنقطع. هذا الفشل المتراكم حول الملف الفنزويلي من استعراض قوة إلى اختبار لقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها.
تاريخيا، كانت الهيبة الأمريكية تقوم على مزيج من التفوق العسكري والهيمنة الاقتصادية إضافة للقدرة على بناء تحالفات واسعة. غير أن حالة فنزويلا تظهر تآكلا في كل هذه العناصر الثلاثة. فعسكريا، لا تستطيع واشنطن شن تدخل مباشر دون كلفة سياسية داخلية وخارجية مرتفعة، كما بينت استطلاعات الرأي الرافضة للحرب. واقتصاديا، لم تعد العقوبات أداة فعالة كما في السابق، لقد أصبحت تنتج آثارا جانبية (الهجرة، الفوضى الإقليمية) ترتد على صانعيها. أما دبلوماسيا، فالدعم الدولي لأي مغامرة أمريكية في فنزويلا يبدو محدودا ومشروطا ينحصر خاصة على الغرب المنهزم في حرب أوكرانيا والذي بعد أن أصابه الخوف حين اندعت تلك الحرب أصبح حاليا مذعورا من السلام، هذا الغرب ومعه الكيان الصهيوني آلته الوظيفية يعيش بداية انهياره وتفككه وانكشف سياسيا وأخلاقيا مع دعمه للإبادة الجماعية بفلسطين وكيله بمكيالين مع العدوان على فنزويلا خارج القانون الدولي.
هذا الواقع يفسر التحول الواضح في الخطاب الأمريكي، خاصة في عهد دونالد ترامب، من لغة القانون الدولي إلى لغة الاستحقاق والملكية. فحين يصرح ترامب بأن “النفط الفنزويلي حق للولايات المتحدة”، فإن هذا الخطاب لا يعكس سياسة طاقة بقدر ما يعكس أزمة تصور، تصور قوة اعتادت أن تقرر، وتجد نفسها اليوم عاجزة عن الفرض.
وتكشف الأرقام هذا الانكشاف بوضوح. فوفق بيانات U.S. Energy Information Administration، لم تعد الولايات المتحدة تعتمد على النفط الفنزويلي كما في السابق، بعد أن عوضته بواردات من كندا وزيادة الإنتاج المحلي. ومع ذلك، يستمر التركيز السياسي والإعلامي على فنزويلا، ما يدل على أن المسألة لم تعد اقتصادية وإنما رمزية وسيادية.
في هذا السياق، تصبح فنزويلا رمزا مزدوجا، رمزا للتحدي من جهة، ورمزا للعجز من جهة أخرى. فهي دولة متوسطة، تعاني من أزمات عميقة، لكنها استطاعت، رغم ذلك، أن تصمد أمام أقسى نظام عقوبات في العالم. هذا الصمود، بغض النظر عن كلفته الاجتماعية، يحرج القوة التي فرضت العقوبات، ويطرح سؤالا مقلقا: ماذا لو لم تعد أدوات الإكراه كافية؟
هذا السؤال يتجاوز فنزويلا نفسها. فهو يطال صورة الولايات المتحدة في النظام الدولي ككل. فكما أشار الباحث الأمريكي ريتشارد هاس، فإن “النظام العالمي لم يعد يدار من مركز واحد”، لقد أصبح فضاء تتعدد فيه مراكز التأثير. وفنزويلا، في هذا الإطار، ليست سبب التحول، بل إحدى تجلياته.
الأهم أن هذا الانكشاف لا يعني انهيار الهيمنة الأمريكية، وإنما يعني تحولها. فالولايات المتحدة ما تزال قوة كبرى، لكنها لم تعد قادرة على فرض الطاعة السياسية بنفس السهولة التي ميزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وكلما أصرت على التعامل مع فنزويلا كمسألة هيبة، زادت احتمالات الفشل الرمزي.
في المقابل، يدرك صانع القرار الأمريكي هذا التحول، لكنه يفتقر إلى بدائل واضحة. فالتراجع يقرأ ضعفا والتصعيد مكلف والاستمرار في الوضع الراهن يراكم الخسائر المعنوية. وهنا تكمن المفارقة: فنزويلا محاصرة، لكنها ليست مهزومة في حين أن الولايات المتحدة قوية، لكنها غير حاسمة.
هكذا، تكثف القضية الفنزويلية أزمة النظام الدولي. إنها تكشف أن القوة، حين تفقد شرعيتها وفعاليتها، تتحول من أداة حسم إلى مصدر انكشاف. ومن هذا المنظور، فإن فنزويلا ليست مجرد “ملف” في السياسة الأمريكية، فهي علامة على انتقال تاريخي من عالم الإملاء الأحادي، إلى عالم أكثر تعقيدا وأقل قابلية للسيطرة.














