نحاول تفكيك و تحليل شفرات و رموز قصة الطفل ريان التي شغلت العالم بالوقوف على حجم التغطية الاعلامية الواسعة لهذه الواقعة. كما نستند على مقاربة تحليلية متمهلة و فاحصة لما عاشه ريان و معه الملايين من المغاربة و الملايين مثلهم من إخواننا في العالم العربي و الاسلامي، على مدار الأيام الخمسة التي قضاها ريان في قعر البئر، بين الحياة و الموت، بين ألم والديه و ذويه و ملايين المتعاطفين معه في العالم أجمع، و بين الأمل القوي الدفين في انقاذه و رجوعه حيا الى أحضان أمه و أبيه.
نعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لتحليل ما حدث و لاستقاء العبر منه، اعلاميا و انسانيا و اجتماعيا..
قبل أن أكتب عنك يا ريان، فضلت أن أعيش معك رحلة الحياة و الموت، بقلب ملؤه التأثر العميق و لسان يلهج الى خالقه بالدعاء للطف بك.
انتقلت الى الرفيق الأعلى، بكيت و سال من قلبي الحزن الصادق..
و الآن أنا في أقوى حالات الهدوء و في أسمى مراتب التحكم بالعواطف.
انا هادئ متأمل لما حدث ايامذاك…
و ساكتب…
ساعاود كتابة قصتك يا ريان متحليا بما يكفي من التبصر للتفكير في تناول الاعلام الرقمي و التقليدي لقصة ابكت الملايين و زلزلت العالم.
دائما ما كان سجل التغطيات الإخبارية لوسائل الإعلام المختلفة زاخرا بقصص إنسانية كثيرة كانت مركزًا للاهتمام بأشكال متعددة، و حاضرة بشكل مستمر ضمن أولويات الأجندة البرامجية لساعات و أيام. و لكن نادرا ما حشدت حادثة إنسانية مشابهة تمامًا لقصة الطفل ريان أورام، الذي قضى نحبه في قعر الجب بقرية إغران التابعة لإقليم شفشاون بالمغرب، هذا الحجم الكبير من الجدل و النقاش.
إن التحوُّل السريع لتفاصيل هذه القصة المشحونة بالعاطفة الإنسانية و الترقب إلى العنوان الأبرز لعدد لا يستهان به من الفضائيات و الشبكات الإعلامية الدولية، رافقه في الوقت نفسه سجال كبير حول القواعد المنظمة للممارسة الإعلامية و الأخلاقيات المهنية الواجب توفرها في التغطية الصحفية للقصص الإنسانية.
كيف يمكن أن نفهم و نفسر حجم التغطية الهائلة و التفاعلية بالساعة و الدقيقة لقصة ريان اورام ابان الأيام الخمسة التي قضاها في غيابة الجب ؟
ما هي الأسباب المباشرة التي دفعت الصحافة الرقمية و بعض الفضائيات و الشبكات الإعلامية الدولية الى تخصيص ساعات مديدة لنقل حادثة السقوط و المكوث و مسلسل الانتشال الصعب و المرير من البئر ؟
ما هي الاخطاء التي وقع فيها الصحافيون على مستوى المعايير و القواعد الضابطة لسقف التغطية و حجمها في متابعة الأحداث و القضايا ؟
لقد مثل الاهتمام الإعلامي بقصة الطفل ريان حالة شعورية/عاطفية خارقة للعادة لدرجة أن الملايين من الأفراد و المجتمعات البشرية و المهنيين المتخصصين ناهيك عن الدخلاء على مهنة الصحافة، تبنوا هذه القصة بمختلف تمظهراتها و ابعادها و وضعوا جزءاً من قلوبهم و كينونتهم و هويتهم في سردية ريان الساقط في غيابات الجب.
ان العوامل المفسرة لذلك الاهتمام الشخصي العابر للقارات، الى جانب التركيز الاعلامي على قصة ريان، يمكن تجميعها في ما يلي :
- القوة الضاربة و الجرافة للسوشيال ميديا، لأن قصة ريان لم يتم تداولها في الإعلام الرسمي التقليدي الا بعد الضجة الهائلة التي احدثتها في مواقع التواصل الاجتماعي.
- مشهدية الانتظار التي طبعت مسلسل انقاذ الطفل ريان و التي استمرت خمسة أيام كاملة. ان الانتظارية الإستثنائية و المتابعة الدقيقة لشتى تفاصيل واقعة ريان بالبث المباشر على السوشيال ميديا و عديد المحطات التلفزيونية، رفعتا الى الحد الأقصى منسوب الحالة الشعورية العاطفية، و التضامن اللامشروط و القوي لملايين المتابعين مع عائلة ريان.
- التكتل العاطفي الجماهيري و الالتفاف الضخم حول سردية الطفل ريان، و لقد نجم عن هذا التكتل اللامسبوق حول قصة الطفل ريان استمرار التغطية الإعلامية المباشرة للواقعة، بما يثبت لا محالة القوة الهائلة لاعلام المواطن في عصرنا الراهن، و توجيهه للكثير من الاجندات السياسية الكبرى لوسائل الإعلام الحالية.
إن البعد الإنساني في سردية الطفل ريان من المعطيات القوية لفهم الأبعاد و الكواليس و الأهداف الظاهرة و الخفية للتغطية الاعلامية المرافقة لهذه الحادثة. ودعونا نقر أن البعد الانساني مهم جداً، و لكنه ليس الوحيد، و الدليل على ذلك أن قصة الطفل ريان استمرت عنوانًا رئيسيًّا في نشرات الأخبار الرئيسية و المواجيز الإخبارية لبعض الفضائيات و الشبكات الإعلامية العالمية و على شبكات التواصل الاجتماعي، و عنوانًا رئيسيًّا أيضًا في صدر صفحات الجرائد الدولية، حتى بعد أن تأكد خبر وفاة الطفل ( الى درجة أن عددا من هذه المنابر الإعلامية خصص فقرات برامجية لرثائه و وداعه).
إن البعد الانساني لا يفسر بالكامل سردية الطفل ريان، لأن هناك قصصًا إنسانية كثيرة، تماثل تقريباً قصة الطفل ريان أو تختلف عنها و لو قليلاً في عِظَم المأساة و حجم المعاناة، و رغم ذلك لم تحظ بنفس حجم التغطية الإخبارية.
و لأجل أن نفهم أكثر بعض أبعاد و رموز قصة ريان، لا بد أن نستأنس بنظرية الأنثروبولوجي و المؤرخ الفرنسي، غوستاف لوبون، في تفسيره لسيكولوجية الجماهير، و تَشَكُّل روحها الجماعية العابرة للأفراد، لأجل إدراك خصوصية لحظة تفاعل وسائل الإعلام مع حالة إنسانية عاطفية استثنائية، لكن مع تجنب مغبة السقوط في الخلفيات الأيديولوجية لنظريته و سياقاتها التاريخية ، وكذلك بعض تاويلاتها السلبية لسيكولوجية الجماهير في الحشد و التضامن و التظاهر.
و هنا، يحق لنا أن نطرح السؤال الآتي: لماذا تنخفض سيكولوجية الإعلام و لا تظهر في قصص إنسانية أخرى مشابهة أو تتداعى في تغطيتها لأحداث و كوارث إنسانية تمس أيضًا فئات هشَّة بمناطق مختلفة ؟
ان سؤالنا هذا في غاية الأهمية لأنه يُبيِّن انتقائية الإعلام في التفاعل مع القصص و الاحداث، و هذه الإنتقائية بدورها تحيلنا إلى نظرية اخرى في الإعلام غير نظرية سيكولوجية الجماهير المشار إليها أعلاه، ألا و هي نظرية وضع الأجندة ، و التي بموجبها يتم ترتيب بث المواد الإعلامية حسب مجموعة من الاولويات، منها ما هو اقتصادي، أو سياسي او اجتماعي او استراتيجي…
لنعط عددا من الأمثلة تقربنا من فهم نظرية وضع الأجندة Agenda Setting ، و لنحاول صياغة هذه الأمثلة على شكل أسئلة :
لماذا اهتم الإعلام الغربي في الفترة الأخيرة بتسليط الأضواء على الغزو الروسي لاوكرانيا ؟ و لماذا ركز على متابعة الحرب الأوكرانية اكثر من أي حرب أخرى في الوقت الراهن ؟ هل حياة المواطن الاوكراني اثمن من حياة كثير من المواطنين الذين يقتلون يومياً في فلسطين و العراق و ليبيا و اليمن و كشمير و سوريا…؟ دعونا نبسط أمامكم الحقيقة المرة القاسية : ان حرب اليمن الدائرة رحاها منذ أزيد من سبع سنوات، و نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال الصهيوني منذ أزيد من مائة عام، و الحرب المستعرة لهيبها في سوريا منذ أزيد من عشرة أعوام… و هلم جرا… كل هذه الحروب لا قيمة لها، في رأي الاعلام الغربي، أمام المأساة الأوكرانية التي تحتل مساحة واسعة في اجندات و اولويات البث في الاعلام الاوروبي و الأمريكي، بل الدولي، و لعل أسباب هذه الإنتقائية معروفة لكثير من القراء، لكننا سنحاول في بحر الاسابيع القادمة ان نعرج عليها، و نخصص لها مقالا تحليليا كاملا …
و بالعودة إلى قصة ريان، يمكن أن نتعرف بسهولة على مجموع الاخطاء التي وقع فيها الصحافيون في ما يخص التغطية الإعلامية لهذه الواقعة : دس أشباه الصحافيين ( الدخلاء على الاعلام) انوفهم في قصة ريان و تحقيقهم للأسف لأعلى المتابعات و المشاهدات؛ المبالغة في المساحة الزمنية اليومية – على مدار الأيام الخمسة – المخصصة لتغطية قصة ريان بما أدى إلى عدم التوازن و الاغراق في العاطفية و الذاتية على حساب الموضوعية المهنية؛ مزاجية التوجه السيكولوجي للإعلام الذي سعى من خلال سردية الطفل ريان الى تحقيق البوز و أرباح المشاهدة مع دغدغة بل الهاب عواطف الجماهير – على حساب ضوابط و أخلاقيات العمل الإعلامي الرصين و المتزن.
و في الختام، نشير أن حالة التفاعل و التعاطف النفسي الخارق للعادة من قبل الملايين مع قصة الطفل ريان، لمسناها بقوة من خلال “دوامة النقل المباشر” لشتى تفاصيل قصة ريان، من قِبَل الصحافة الرقمية و شبكات التواصل الاجتماعي من جهة أولى، ثم دوامة التغطية المباشرة لبعض القنوات و الفضائيات و الشبكات الإعلامية العالمية من جهة ثانية، و لعل وسائل الإعلام لم تكن تملك في هذا الاتجاه الكثير من الخيارات، لأن حالة الانغماس العاطفي الرهيب في سردية ريان الساقط في غيابة الجب، جعل بدوره الكثير من منابر الإعلام رقمية كانت أو تقليدية، تنجذب لدوامة النقل المباشر للأحداث، مع الذوبان الكلي تقريباً في الحالة النفسية التي تُنْشِئُها بعض القصص الإنسانية، و ذلك ما حصل بالضبط للإعلام مع قصة الطفل ريان
*أستاذ باحث بالمعهد العالي للاعلام و الاتصال، الرباط.














