في مجتمعاتنا العربية استطاعت كلمة صغيرة مؤلفة من ثلاثة حروف، “عيب”، القيام بدور حارس بوابة يحدد المسموح والممنوع، وينظم العلاقات داخل المجتمع.
فـ”عيب” كلمة أقوى من القانون أحيانًا، لكن هل ما زالت هذه الكلمة درعًا يحمي القيم، أم باتت أداة لتقييد الحرية؟
من جهة، لا يمكننا أن ننكر فضل هذه الكلمة في حفظ مجموعة من التوازنات داخل المجتمع، خاصة في المجتمعات التقليدية التي يغيب فيها القانون في التفاصيل اليومية للأفراد، فهي تكون بمثابة شرطي مرور غير مرئي.
لكن لهذه الكلمة وجه مظلم أيضًا؛ فباسم “العيب” حُرمت فتيات كثيرات من حقهن في التعليم، وحُرمت كثيرات من اختيار أزواجهن، وباسم “العيب” حُرم كثيرون من تحقيق أحلامهم وطموحاتهم.
المفارقة هنا أن كلمة “العيب” ليست ثابتة، بل متغيرة بتغير الزمان والمكان، فما يعد عيبًا في بيئة معينة قد يكون عاديًا في بيئة أخرى، وما كان عيبًا في الماضي لم يعد كذلك اليوم. وهذا التغير يكشف هشاشة الكلمة ويطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كان العيب نسبيًا، فلماذا نمنحه سلطة مطلقة على حياتنا؟
إن الاستناد إلى مفهوم متغير بهذا الشكل قد يجعل المجتمع حبيسًا لقيود غير مبررة، ويجعل الأفراد أسرى لنظرات الآخرين بدل أن يكونوا أحرارًا في اختياراتهم.
إن المطلوب اليوم ليس إلغاء ثقافة العيب بشكل كامل، بل إعادة تعريفها بما يتماشى مع قيم الاحترام والكرامة الإنسانية. فليكن العيب الحقيقي هو الكذب، الغش، الظلم، والعنف، لا أن يختار إنسان مسارًا مختلفًا لحياته أو يطمح لتحقيق ذاته بطرق لا تؤذي أحدًا.
فالمجتمعات التي تضع “كلام الناس” فوق القوانين والعقلانية، تسير بخطى بطيئة نحو المستقبل. أما المجتمعات التي تنجح في موازنة القيم مع الحرية الفردية، فهي التي تخلق إنسانًا حرًا ومسؤولًا في الوقت نفسه.
العيب إذن ليس في أن يعيش الإنسان كما يشاء، بل في أن يُجبر على حياة لا تشبهه.














