* البروفيسور جمال الدين ناجي
الرئيس الشرفي لشبكة أوربيكوم لكراسي اليونسكو في الاتصال
لا تُعرِّف قواميس اللغات المكتوبة «التواصل» بوصفه مرادفًا لـ«الدبلوماسية». غير أنّ الدبلوماسية ليست في جوهرها سوى تواصل، حتى حين تكون مشحونة بتوازنات القوى، وبصراعات المصالح، أو حتى بتهديدات الحرب. وقد أتقن «الاستعراضي» ترامب خيوط هذا الفن، واستعمله بمهارة تُدهش الخصوم وتربك الأعداء، أحيانًا إلى حد الصدمة.
بعيدًا عن هذه الحالة الاستثنائية لرئيس قوي بطبيعته غير التقليدية، تبقى التواصل هو المحرك الأساسي للدبلوماسية. وهو أيضًا القاعدة التي تقوم عليها عملية نقل الرسائل: إعلان، شرح، كشف، وتقاسم، بهدف الإعلام، ثم الإفهام، وصولًا إلى الإقناع وكسب الانخراط. إنها آلية تربوية كاملة، يسميها الفلاسفة عبر الحضارات «فنّ الحديث».
وليس كل دبلوماسي فنانًا في هذا الفن الإنساني البحت. غير أن وزير خارجيتنا الحالي قد أظهر براعة لافتة فيه، كما شهدنا خلال ظهوره التلفزيوني بمناسبة القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في الثاني من نونبر.
كان خطابه تعليميًا، بسيطًا، صادقًا، ينبض بطمأنينة تُقنع السامع بما هو واضح وما هو غامض. ابتسامة صافية طبيعية، وهدوء محسوب، واستخدام ذكي لفنّ التوقف المتعمد قبل نطق كلمة معيّنة بغية تعظيم أثرها لدى المتلقي… والأهم: حديث بلغة الناس، لغة الحياة اليومية، بعيدًا عن الخطاب المتعالي الذي يصمُّ أسماع الجمهور المغربي منذ زمن في منابر إعلامية يهيمن عليها التبسيط المفرط، والازدواجية اللغوية المتهالكة، والسطحية الممجوجة.
“جلسة قرب الموقد”
كان ذلك اللقاء التلفزيوني أشبه بـ«جلسة قرب النار» مع ابن بلد يتحدث لغة الناس، حتى حين تلزمه بعض المصطلحات الدقيقة المرتبطة بالقانون الدولي، وبالمفاهيم الأممية، وبقواميس العلوم السياسية، ونصوص القرار الأممي ذاته.
بقدرة تعليمية سلسة، جعل هذا الدبلوماسي المشاهدين يشعرون بأنه واحد منهم. مغربي مسؤول، «دبلوماسيًا… لكم». كان يدير الحوار بابتسامة خفيفة، متفاديًا الانجرار وراء استفزازات بعض محاوريه المتعطشين لـ«البوز» بدل خدمة غاية الإيضاح والإخبار.
ابن تاونات، الذي تربى في أوساط متواضعة بالرباط، وراكم معارفه وشهاداته ومهنته في هذه المدينة، كان له من قربه الاجتماعي واللغوي ما يجعله مسموعًا ومفهومًا ومؤثِّرًا… وهو يشرح لنا مفصلًا ذلك الحدث الحاسم: القرار الأممي 2797.
أجندتنا المصيرية خارج الأمم المتحدة
من شبه المؤكد أن مثل هذا التقديم سيزعج «المنتقدين المحترفين» المتخفّين في أقنعة المعارضة أو الاستقلالية، وهم في الواقع أسرى متلازمة «جلد الذات المغربي». ولكن حين تظهر الاستثناءات اللامعة، ألا يستحق الأمر الإشارة إليها، حتى لا تُخفي القاعدة الرديئة التي تكشفها؟
القاعدة هنا هي فشل التواصل المؤسساتي في بلد يعاني مواطنوه من الصمت واللامبالاة، رغم الغضب الكامن في أعماقهم. فالمواطن—هو الغاية الأولى والأخيرة للرسالة العمومية—غائب عن حسابات كثير من المتحدثين باسم الدولة والإعلام.
لقد سجّلنا في 31 أكتوبر محطة مفصلية في مشروع وطني وجودي: مشروع الجهوية المتقدمة، الذي يشكّل الحاضنة الطبيعية لتحقيق تقرير المصير المغربي لجهتي وادي الذهب والسمارة، حين تنضج الشروط، كخط متواصل في مسار بناء الدولة.
هذا الورش لا تتحكم فيه الأمم المتحدة، ولا مجلس الأمن، بل المواطن وحده. المواطن القادر على مواجهة ما يسمى بـ«الدولة العميقة»، ذلك الكيان المتشعب الذي لا سلطان للمنظمات الدولية عليه.
إنه ورش ضخم، «مغربياً بامتياز»، لا يزال مفتوحًا، ويحتاج إلى تواصل مؤسسي فعّال قادر على تعبئة الناس نحو مشاريع التعليم، والبحث، والصحة العامة، والثقافة، والمواطنة، والحكامة، والانتخاب، والديمقراطية.
إنه برنامج وطني للمستقبل، ملكٌ لنا وحدنا، هنا والآن، قبل القرار 2797 وبعده.















