* حمزة محفوظ
أغادر المغرب الآن.
أحس أن شيئا في قلبي انكسر تجاهه هذه المرة.
أنظر لحقائبي المثقلةُ بالاشياء التي راكمتُ في المائة يوم من الرغبة في الاستقرار بالمغرب. أحسُ بالألم والمرارة.
لقد جئته منذ مائة يوم، بعد عشر سنوات من الاغتراب، وكانت أول مرة أجيء بتذكرة ذهاب فقط، مِن غير تذكرة عودة.
بعد عشر سنوات من الغربة، جئتُ إلى المغرب لأدعم نداء المخرج المغربي حكيم بلعباس، الذي سُمي حينها مديراً لمعهد السينما بالرباط.
قال لي الرجل: “أريدُ أن تأتي للمغرب حتى نُدرِّسَ الشباب كيف يبدعون سردياتهم الخاصة، والبوح، والصدق، أنتَ تفعل ذلك عبر الروايات وعبر المكتبة، وعبر الدروس، وعبر نصوصك، ونحن نفعل عبر الافلام”.
أجبته: “لكن المخزن يكرهُ القصة، ويكرهُ المعنى، ويكرهُ الصدق. لذلك هربتُ من المغرب قبل عشر سنين، ولذلك يوجد أصدقاء لي في السجن اليوم”.
قال: “سننجح إذا وفرنا جزيرة للابداع، نحمي فيها الطلبة ونحمي بعضنا، نقرأ الكتب ونشاهد الافلام ونناقشها مع الطلبة وندعم نصوصهم وإبداعهم. نحنُ فريق من سبع فرسان.”.
قلتُ: “لن نكون سوى سبع دوكنشيوطات. لن ننجح، لكن، سأشرف بأن أحاول إلى جانبك”. ثم أضفت: “أين التعاقد الذي تقترح عليّ ؟!”.
قال: “تعال فقط، ستحصل على كل الظروف التي ترغب فيها للسير المثالي للعمل”.
لقد صدّقته، ولقد كذب عليّ.
ليس فقط هو من كذب عليّ، المخزن كذلك كذاب، لكن الكذب الذي طالني من شخص حكيم، الذي احترمته واعتبرته صديقاً… ساءني، وعيّفني في كل شيء.
لقد سرقتني المؤسسة في أجرتي لشهرين، وفي تعويضات الكتب التي اشتريت لها، بقيمة إجمالية قدرها خمسون ألف درهم.
لقد سرقني الكاتب العام للمؤسسة، يوسف فريد، ولقد سرقني السيد حكيم بلعباس، إذ لعِبا مع بعض لعبة تبادل الأدوار والاحتيال، قبل أن يقررا طردي بعد ثلاث أشهر من العمل المضني (لكن اللذيذ) من الدروس ونقل الكتب والحوارات والنصوص التي كتبتُ مع الطلبة وإليهم.
لقد قررتْ المؤسسة الاتصال بالشرطة للقبض عليّ، فقط لأني طالبتُ بحقي، في عرق جبيني. ولمّا أخبرتُ الكاتب العام أنه يحاول سرقتي، وأنه سارق وكذّاب، قال للأمن الخاص في المؤسسة أني أحرّضُ على الملكية والملك.
يريدُ سرقتي، ولما أرفض المبلغ التافه الذي اقترح، يقول إني أحرِّض على الملكية!
هذا شيء مقزز، ظننتُ أنه انتهى منذ العهد البائد للحسن الثاني.
لكني لا ألوم الكاتب العام التافه (شخصٌ لا يستطيع أن يصوغ أي فكرة قابلة للفهم، لا في الكتابة ولا حتى في الحديث)؛ لا ألوم أبناء ادريس البصري ونموذجه، بل ألوم تحديداً الرجل الذي ادعى أنه قادم من خارج النسق، ومن الإبداع، ومن خارج المغرب، والذي ادعى أننا امتداد لبعض، والذي عنده شرعية مدير المؤسسة بين يديه، وعنده اسمه الإبداعي الهائل، فإذا به يشارك في سرقتي وإهانتي، ويصيرُ إمتداداً لسياق فج وبلا معنى. ويُقرّهم أحيانا بالتواطؤ وأحياناً بالصمت.
نعم، ستضرني السرقة، خمسة مليون من عرق جبيني، بالحلال، وليس بالسرقة ولا بالريع، مبلغ كبير في حساباتي المادية الهشة، لكن، ما يضرني هو أنهم كسروا السياق الذي مكنني من العلاقة مع الطلبة؛ طلبةٌ كالورد، هم أجمل من أي إداري، وأي مدير، ومن أي سلطة.
وما يضُرني أيضاً، هو أن نهاية التجربة بهذا الشكل الصادم والمقزِز، ومنعي بالعنف من دخول المؤسسة، للسلام، مودِعاً، على طلبتي، واستعادة كتبي وأشيائي من مكتبي فيها، ثم الاتصال بالشرطة للقبض عليّ، وإتهامي بتلك التهمة المقززة، كل ذلك، يكسر أملاً عظيماً، أحسسته تجاه موضع من بلادي، منذ مائة يوم.
الكذب والابتزاز العاطفي والسرقة وعدم قبول السلطة صياغة تعاقد يحدد الحقوق والواجبات، كل تلك اشياء تجعل أملي في هذا البلاد ينكسر مرة أخرى. ولا أجد أي طاقة أو رغبة للمحاولة مرة أخرى في المدى المنظور.
الحمد لله على نعمة الهجرة، إذ أتخيل الضغط الهائل الذي كان سيعيشه شابٌ من أبناء بلدي في وضعي أو وضع شبيه، لا بديل له للخروج من المأزق، هذا بلدٌ/ وهذه سلطة تدفع الإنسان الاعزل للجنون، وقد ينتهي في السجن لو قاوم الظلم، ولي أصدقاء في هذا وفي ذلك.
ثم الحمد لله، على نعمة الأنترنت، التي تُمكنني من الكتابة لطلبتي، وللشباب المغاربة معهم، لاستكمال الدرس الذي بدأناه، عبر الكتابة والايميل والفيسبوك، حتى لا يقتلنا كل هذا النقاش، وهذا العنف الرمزي والمادي.
أريد بالمناسبة أن أشكر طلبتي، واحداً واحداً، لقد عِشتُ بصحبتكم لحظات جميلة جدا، لن أنساها ما حييتْ. تذكروا أن بوسعكم أن تكتبوا لي ما شئتم ومتى شئتم عبر الايميل كما اتفقنا.
أعرفُ أنهم يقولون لكم كلاماً كثيراً ليبرروا طردي عنكم، ويجيبوا على طلبات جزء منكم بارجاعي، أو على الأقل بإعطائي حقوقي، أو على الأقل بفهم ما حدث. إنهم يكذبون، أنا مستعد للإجابة بالبرهان وبالتفصيل على كل سؤال رغبتم في طرحه عليّ.
تصلني رسائل من بعضكم، شديدة الرقة، وأخرى حائرة، وسأرد عليها وعلى تساؤلاتكم كلها ريثما ارتاح قليلاً من هذا الطعم المُمِّر.
جاء في رواية لستيفان زفايغ (واحد من الروائيين الذين نقلتُ إليكم إبداعاته) :
“لم نتعرض لأي تعذيب جسدي، بل أسلمونا ببساطة إلى فراغٍ مطلق، ومن البديهي أن لا شيء في العالم يعذّب النفس البشرية أكثر من الفراغ “.
تعالوا نقاوم ذلك الفراغ، عبر الكتابة والبوح والصدق والنص والإبداع. نساعد بعضنا، لعلّنا نُحافظ على الخيط الناظم في أرواحنا وعقولنا؛ حتى لا يدفعوننا إلى الجنون.
















