يقول المثل العربي القديم “اتقِ شر من أحسنت إليه”، واليوم لم يعد هذا المثل مجرد حكمة غابرة، بل هو الواقع المرّ الذي تجرعه المغرب والمغاربة في نهاية كأس إفريقيا التي احتضنتها مملكتنا .
فبينما كان المغرب يفتح بيوته ويمد موائده ويسخر إمكانيات دولة تسير بسرعة الصاروخ تحت الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس ، لتوفير “جنة” تنظيمية ومعايير دولية لم يحلم بها هؤلاء في أوطانهم، كانت “خناجر” الغدر تُشحذ في الخفاء، وما إن أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً خسارة المنتخب الوطني، حتى سقطت الأقنعة وانكشف زيف شعارات “الجسد الواحد”، لنشاهد مشهداً سريالياً يدمي القلب،
حيث تحولت عواصم من نتقاسم معهم الدين واللغة والتاريخ إلى ساحات رقص و”تزمير” وشماتة في انكسارنا، من القاهرة وتونس وصولاً إلى نواكشوط التي لا نعلم في أي خريطة تنافسية كانت تضع نفسها، وانتهاءً بالجزائر التي كانت فرحتها الهستيرية متوقعة لكنها ظلت كاشفة لحجم العقدة النفسية تجاه كل ما هو مغربي.
إن أي عقل سليم سيقف عاجزاً عن تفسير هذا الحقد؛ فنحن نتحدث عن ضيوف وُفرت لهم أرقى ظروف الإقامة، وتسهيلات لوجستية خيالية، وأمن سهر على راحتهم كأنهم في بيوتهم، ولم يتعرض مشجع واحد منهم لمضايقة أو سوء معاملة، ومع ذلك وجدنا لؤماً عجيباً من “ضيف” أكل من غلتنا وسبّ ملتنا بمجرد أن تعثر الجواد المغربي فوق العشب،
وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بحقيقة مرة وبتحليل رصين: لقد انتصروا علينا إعلامياً قبل أن تنتهي الموقعة كروياً، فبينما كان إعلامنا الوطني غارقاً في “نرجسية” ساذجة، يطارد الضيوف في الشوارع ليسألهم بلهفة “هل أعجبكم مغربنا؟” “هل أعجبكم كسكسنا”، كان إعلام “المتربصين” يطبخ المؤامرات في الغرف المظلمة، ويشحن النفوس، ويزور الحقائق، ويسوق لصورة نمطية عدائية ضدنا،
لقد تركنا ساحة المعركة الإعلامية فارغة للمتكالبين، واكتفينا بدور “المضيف اللطيف”، بينما كان الطرف الآخر يمارس “حرب إبادة” لسمعتنا الرياضية والسياسية، مستغلين ليونة إعلامنا الذي كان منشغلا بالاستعراض بينما كان غيره يمارس القصف المركز.
ولنا في “كأس العرب” الأخيرة خير مثال على ازدواجية المعايير وقوة البروباغندا؛ ففي بطولة تحت لواء “الفيفا” شهد العالم تسيباً تنظيمياً وصل حد إلغاء مباراة الترتيب بسبب الأمطار ورفض الفرق استكمال اللعب في مشهد “هاوٍ” يندى له الجبين،
ومع ذلك، ولأن إعلام تلك الدولة شرس، لم نسمع همسة انتقاد واحدة في العالم، بينما في المغرب يُجند هؤلاء كل طاقاتهم لتحويل أي جزئية بسيطة إلى قضية رأي عام دولي،
إن هذا التباين يفرض علينا اليوم وقفة حزم لا تقبل أنصاف الحلول، فنحن على أبواب تنظيم كأس العالم، وهي القمة التي تتطلب “أنياباً” إعلامية لا تكتفي بوضع مساحيق التجميل على المنجزات، بل تهاجم وتفضح وتدافع عن سيادة المملكة وهيبتها في المنتظم الدولي،
فالدفاع عن عرين الأسود يتطلب جيشاً إلكترونياً وإعلامياً يملك الجرأة و الشجاعة، و اللغة، على كسر شوكة المتطاولين، فمن أراد صداقتنا فقلبنا مفتوح، ومن أراد الشماتة في نجاحنا فليعلم أن قطار المغرب قد انطلق ولن توقفه زغاريد الحاقدين، لكن يبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه على طاولة المسؤولين عن قطاع التواصل والإعلام في بلادنا:
إلى متى سنظل نؤثث ساحاتنا بالورود والترحيب في حين يترصدنا “الأشقاء” بالخناجر، وهل استوعب إعلامنا أخيراً أن المعارك الكبرى تُربح في البلاتوهات والمنصات قبل أن تُحسم في الملاعب؟
نتمنى أن نستدرك الخلل في إعلامنا















