في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع الإعلام، تظل حكامة المؤسسة العمومية معياراً أساسياً لقياس قدرتها على التطور و الاستجابة لانتظارات المجتمع.
غير أن ما يروج داخل أروقة الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة بدار البريهي يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة القيادة الإدارية و حدود المقاربة التشاركية في تدبير هذا المرفق الحيوي، في ظل استمرار فيصل العرايشي على رأس المؤسسة لسنوات طويلة.
الملاحظ، من خلال شهادات صدرت عن مسؤولين سابقين، أن نمط التدبير يتسم بتركيز القرار في قمة الهرم الإداري، إلى درجة تجعل من مديري القنوات مسؤولين بالاسم أكثر مما هم فاعلون فعليون في رسم السياسات و تحديد الاختيارات الكبرى.
فقد صرّح الإعلامي و المدير السابق للقناة الثقافية عبد الصمد بن شريف في إحدى خرجاته الإعلامية بأنه لم يعقد أي اجتماع مباشر مع الرئيس المدير العام منذ سنة 2013، و لم يلتقِ به طيلة فترة تحمله مسؤولية إدارة القناة، بل و لم يتم استقباله أو توديعه عند إحالته على التقاعد.
مثل هذا التصريح، بغض النظر عن سياقه، يعكس صورة عن مسافة غير مفهومة بين رأس المؤسسة و مديريها، و يطرح تساؤلات حول طبيعة التواصل الداخلي و آلياته.
في أي نموذج مؤسساتي سليم، يُفترض أن تكون الاجتماعات الدورية بين الإدارة العامة و مديري الوحدات آلية أساسية لتقييم الأداء، و مناقشة الصعوبات، و تطوير الرؤية الاستراتيجية.
غير أن ما يُتداول يفيد بغياب هذا التقليد الإداري لسنوات، الأمر الذي يكرس مركزية القرار و يحد من هامش المبادرة لدى المسؤولين المباشرين عن القنوات.
و حين تصبح القرارات المرتبطة بالبرمجة و الصفقات و تشكيل لجان الانتقاء تصدر في إطار ضيق، دون نقاش موسع أو مساءلة داخلية، فإن استقلالية القنوات تتحول إلى استقلالية شكلية، لا تتجاوز حدود التنفيذ التقني لما يُتخذ سلفاً من خيارات.
الأمر لا يقف عند حدود العلاقة بالمديرين، بل يمتد إلى طبيعة التعاطي مع الشركاء الاجتماعيين ، فغياب لقاءات مباشرة مع النقابات منذ سنوات طويلة، لا ينسجم مع أبسط مبادئ الحوار الاجتماعي داخل مؤسسة عمومية يفترض فيها أن تكون نموذجاً في احترام المقاربة التشاركية.
إن تحييد النقابات عن دائرة النقاش لا يضعف فقط تمثيلية الشغيلة، بل يحرم المؤسسة من قناة أساسية لاستشراف التوترات و معالجتها في إطار مؤسساتي.
و تزداد الصورة قتامة حين يُلاحظ أن نهاية المسار المهني لبعض الأطر العليا تمر في صمت شبه تام، دون مبادرات رسمية للاعتراف بالمجهودات المبذولة.
ففي مؤسسات عريقة، يشكل التكريم عند التقاعد لحظة رمزية تؤكد ثقافة الاعتراف و تحفز باقي الأطر على مزيد من العطاء.
أما حين يُترك الأمر لمبادرات فردية من العاملين المقربين، فيغيب بذلك البعد المؤسساتي، و يترسخ الإحساس بأن العلاقة كانت وظيفية صرفة، بلا امتداد إنساني أو تقدير معنوي.
إن استمرار نفس النمط التدبيري لسنوات، دون تقييم علني لحصيلته، ينعكس حتماً على صورة الإعلام العمومي و مكانته لدى الجمهور. فضعف الجاذبية، و تكرار المضامين، و عجز بعض القنوات عن مواكبة التحولات الرقمية، ليست فقط إشكالات تقنية أو مالية، بل هي في جوهرها نتائج لاختيارات إدارية لا تفسح المجال لتعدد الرؤى و تداول الأفكار. الإعلام العمومي، بحكم طبيعته، يحتاج إلى قيادة منفتحة، قادرة على الإنصات، و توزيع الصلاحيات، و ربط المسؤولية بالمحاسبة في إطار من الشفافية.
إن النقاش حول حكامة دار البريهي لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة تفرضها المرحلة.
فالمؤسسة ليست ملكاً لشخص، أياً كانت صفته، بل هي مرفق عمومي تموله الدولة و يُفترض أن يخدم المجتمع بكل مكوناته.
ومن ثم فإن ترسيخ ثقافة التشاور، و احترام استقلالية المدراء في حدود القانون، و تفعيل الحوار الاجتماعي، تشكل جميعها شروطاً أساسية لإعادة الاعتبار للإعلام العمومي و استرجاع ثقة المتلقي.
دون ذلك، سيظل الحديث عن الإصلاح مجرد خطاب، بينما يستمر الواقع في إعادة إنتاج نفس الأعطاب و نفس النتائج.















