لنتفق بدءا أن ما حدث لا يمكن وصفه الا بـ الانقلاب الدستوري ولو تدثر برداء تأويل خاص للدستور. فحتى المادة 80 التي اعتمدها الرئيس في قراراته تفرض الإبقاء على البرلمان في حال انعقاد دائم وليس تعليق عمله، وتقتضي بالتشاور مع رئيسي البرلمان والحكومة وهو ما لم يحدث ( لحد اللحظة لا يعرف مصير رئيس الحكومة). في ظل غياب الجهاز الوحيد المخول له مراقبة الرئيس وهو المحكمة الدستورية. ( الآن يمكن فهم بعض الأسباب التي تقف وراء وقوف الرئيس ضد تنصيبها سابقا)!
هذا ناهيك على أن القرار يقضي بأن يجمع الرئيس كل السلطات في يده دون تحديد أي أجل لاعادة الحياة السياسية لطبيعتها.
– السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
الذين خرجوا للشوارع فرحين من غير أهل السياسة والايديولوجيا معذورون. فهم لم يروا من الطبقة السياسية الحاكمة ما يجعلهم يتمنون بقاءها! فالطبقة السياسية التونسية بان عجزها وضعفها وفساد وانتهازية جزء كبير منها! والانطباع العام لدى الشريحة الأوسع من الشعب أن الحكومة والبرلمان انشغلا بكل شيء إلا بالدفاع عن مصالح الشعب. وفي السياسة الانطباع أقوى من الحقيقة وافقها أو خالفها.
جاء الوباء واعلان انهيار المنظومة الصحية ليزيدا من عمق ازمة الثقة بين الغالبية العظمى من الشعب والطبقة الحاكمة.
الصراع بين الرئيس من جهة والائتلاف الحاكم لم يساهم سوى في تتفيه السياسة والسياسيين في أعين كثيرين!
إشارات الإنذار تكررت من أن الشعب ضاق ذرعا بما يحدث! وأن البلد على حافة إلى الإفلاس!
صديق مسؤول ذكر لي أنه لولا القروض ما واصلت الدولة دفع الرواتب! لكن الطبقة السياسية بقيت مشغولة بحساباتها الصغيرة .
تكتيكات وتحالفات بدون منطق أخلاقي وبدون أي وفاء للالتزام الأول مع الناخبين!
لكن…
بعد السكرة تأتي الفكرة!
الرئيس الذي لم يخف ميولاته ” القذافية” بحديثه عن تغيير كامل للنظام السياسي حتى قبل الانتخابات ولم يؤخذ كلامه حينها على محمل الجد، أدخل الأن البلد مغامرة لا أحد يعرف أحد نتائجها. وهو في المبتدإ والمنتهى جزء من هذه الطبقة السياسية وينطبق عليه ما ينطبق عليها . ولنتذكر أنه هو من اختار هشام المشيشي وعينه رئيسا للوزراء ضدا على إرادة الأحزاب السياسية المشاركة في الائتلاف الحكومي. وحين بدا له من إعراضا بدأ حربه ضده التي انتهت اليوم بما انتهت إليه.
صحيح أن الديمقراطية لا تشكل أولوية عند أغلبية الشعوب المقهورة، لكن مغامرة مثل هذه تقسم الشعب و تنذر بالأسوأ!
“وستعرف عندما ينقشع الغبار … أحصان تحتك أم حمار”
دعك من الأوهام! الذي حدث اليوم لن يطعم جائعا ولن يوفر الدواء لمريض ولكنه في المقابل سيزيد على البلد أزمة خطيرة ربما هي الأخطر في العقد الأخير!















