لا شك أن ظاهرة الدروس الخصوصية بدأت تتفاقم وتتزايد بشكل ملفت في السنوات الأخيرة، إعلانات توزع في الأماكن العمومية وملصقات على أبواب ومداخل العمارات وإشهارات على مواقع التواصل الاجتماعي ناهيك على توزيع مطويات أمام المدارس العمومية والخصوصية دون أن ننسى تنامي أعداد من يلقنون الدروس عبر منصات التواصل كاليوتوب أو التكتوك أو عن بعد بدرجة باتت متفوقة على الأساتذة بالمدارس الحكومية أو حتى الخاصة.
وهنا نتساءل ما أسباب انتعاش واستفحال هذه الظاهرة؟ وإلى أي حد أصبحت الدروس الخصوصية تتمتع بأرض خصبة تستقطب إليها جيوب آباء وأولياء التلاميذ في إطار تفعيل روح القطيع ؟ ثم أين التلميذ (الذي تجرفه سيول المناهج الدراسية) من ثقل دروس التقوية أيضا؟؟
إن غياب استراتيجيات واضحة لتجويد وتطوير التعليم العمومي جعلته يستنفذ قواه حيث أغلقت العديد من المدارس العمومية التي كانت الملجأ الوحيد للطبقات المتوسطة وأصحاب الدخل المحدود علما أنها ساهمت في تخرج مجموعة من الكفاءات التي تولت مناصب عليا في القطاعين العام والخاص وبالمقابل انتشرت المدارس الخصوصية كالنار في الهشيم لتعبر عن فشل التعليم العمومي الذي يعتبر إحدى الدعائم الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية.
وشكلت سياسة التعليم الخصوصي الضربة التي زعزعت وحطمت أجزاء مهمة في بنيان التعليم الحكومي حيث فتحت المدارس الخاصة الباب أمام مصراعيها للآباء الطامحين والحالمين بمستقبل أفضل لأبنائهم رغم اكتوائهم بالتكاليف المادية الباهظة لهذه المؤسسات.
لكن الصدمة كانت قوية عندما وجد التلاميذ أنفسهم غارقين في مناهج يعجزون أحيانا عن استيعابها لكثرة المواد المبرمجة مما ساهم في لجوء الآباء إلى الدروس الخصوصية لعل أبناءهم يجدون فيها حلولا تخرجهم من ضيق المعرفة وتحسن مستواهم الدراسي.
من الواضح أن متابعة الدروس الرسمية والخصوصية طيلة اليوم باتت تشكل عبئا جسديا ونفسيا على المتعلمين عوض أن يجدوا لهم متنفسا في ممارسة هوايات تفتح أمامهم آفاقا واسعة في المعرفة وتخفف عنهم ضغوطات المناهج الدراسية وتغذي ملكاتهم الروحية كالفنون التشكيلية والمسرح والموسيقى والرياضة….
ويرى البعض أن الدروس الخصوصية “لا تشكل حلا تربويا، فهي أشبه ما تكون بالمنشطات التي تحفز الذات على الإنجاز المؤقت والتي ينتفي مفعولها بزوالها وهكذا فإن المتعلمين يتحولون إلى مدمنين عليها” لا يستطيعون التخلي عنها، والأخطر من ذلك ما تسببه هذه الآفة من تجويع وتفقير ممنهج للمواطن الذي قد يلجأ للقروض لسد نفقات فاتورة المدارس الخاصة والدروس الخصوصية في إطار سياسة تعليمية فاشلة لا تحترم كرامة وحقوق هذا المواطن البسيط الذي يدور في حلقة مفرغة محترقا بلهيب الأسعار في مختلف مجالات الحياة.
فإلى متى ستظل الحكومة غافلة وغير مكترثة بمعاناة المواطنين ماديا ومعنويا( زيادات في فاتورة الماء والكهرباء ،افتقار لمستشفيات مجانية جيدة ومجهزة ، تعليم عمومي جيد شبه منعدم، ارتفاع رسوم التعليم الخصوصي) وما ينتج عن ذلك من أزمات ومشاكل اجتماعية بين الآباء تنعكس بشكل سلبي على نفسية الأبناء.
حان الوقت لكي تكشف الوزارة المعنية عن مكامن الخلل في المنظومة التعليمية وتسرع بالإصلاح في إطار مقاربة تشاركية بين ذوي الإختصاص لتجويد هذا القطاع الحيوي وملامسة مشاكله الحقيقية للرقي به إلى المستوى المنشود على غرار ما حققته دول يضرب بها المثل في مجال التعليم المتطور والجيد.















