في هذا الحوار الخاص مع خلود مختاري، تفتح زوجة الصحافي سليمان الريسوني ملفات حرية التعبير والتشهير والمحاكمات ذات الخلفية السياسية بالمغرب، مستحضرة سنوات الاعتقال والمعاناة التي عاشتها أسرتها منذ اعتقال زوجها سنة 2020. وتتحدث مختاري عن ما تصفه بـ“الاضطهاد الممنهج” الذي طالها عبر حملات التشهير والضغط النفسي، معتبرة أن الصحافة المستقلة وحرية الرأي تعيشان أزمة حقيقية في المغرب، في مقابل استمرار أصوات صحافية وحقوقية في الدفاع عن قيم المهنة ودولة الحق والقانون.

- في مثل هذا الشهر من سنة 2020 اعتُقل زوجك الصحافي سليمان الريسوني، وكنتِ حاضرة بقوة داخل المحكمة وخارجها، كما تعرضتِ لحملات تشهير واسعة. ماذا بقي في ذاكرتك من تلك المرحلة؟
ما زلت أعتبر قضية سليمان الريسوني مظلمة كبيرة ومستمرة إلى اليوم مع كامل الأسف، وفترة شكلت لدى الوعي الجمعي دربة على القتالية والصمود على الرغم لما تعرضت له، كانت محطة قانونية وحقوقية مهمة بالنسبة إليّ وللذين تابعوها.
فطريقة الدفاع عن سليمان وعن براءته وطنيا ودوليا فضحت ” المفهوم الجديد للسلطة”، وحجم العجز في التعامل مع أصحاب الأصوات المختلفة. وما عشته خلال تلك الفترة، بكل الصعوبات والأهوال والمكائد التي رافقته، وكذلك ما عاشه الصحفي سليمان الريسوني في السجن، أعتبر أن قضية اعتقاله لم نكن نحن فقط الضحايا فيها، وإنما هي قضية وطن، غابت فيه حكمة السلطة، وكشف الحجاب عن ممارسات قاسية ما تزال جزء مترسخا من عقيدتها،
ناهيك عن أن المحاكمات السياسية ما تزال مستمرة والتضييق ما يزال موجودا بأشكال مختلفة، وسجون البلاد مكتظة بالمعتقلين على خلفية الرأي، بداية من معتقلي حراك الريف وعدد من الحقوقيين وشباب جيل Z الذين تتم متابعتهم اليوم. لهذا يعتبر المناخ الحقوقي والإعلامي في المغرب يعيش أزمة حقيقية.
وأكثر ما أتذكره بدقة، هي اللحظات التي كان يستوجب علي اتخاذ قرارات حازمة في ظروف حساسة و صعبة، لم يكن الأمر سهلا بالنسبة لي، فقد تعرضت لمواقف عصيبة ومكائد خبيثة.
في المقابل فمحاكمة سليمان لم تكن فقط داخل المحكمة، بل جرت أيضا في وسائل الإعلام وفي الفضاء العام، حيث كانت بعض المنابر تحاكم وتدين وتصدر الأحكام مسبقا، بينما ظل القضاء صامتا أمام هذا الوضع.
- يبدو أن ملف حرية الصحافة والتعبير في المغرب يعيد إنتاج الأزمات نفسها؟
بالفعل، لا يتسع صدر السلطة للصحافة المهنية، فالمغرب عرف مرحلة انفتاح نسبي خلال سنوات سابقة، خاصة عندما فُتح المجال أمام الصحافة المستقلة من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، لتلعب دورا في التوازن الإعلامي الذي كان حكرا على الصحافة الحزبية والإعلام الرسمي.
آنذاك برزت أسماء صحافية مهمة مثل بوبكر الجامعي وعلي لمرابط وحسين مجدوبي وعمر بروكسي وعلي أنوزلا وغيرهم. لكن سرعان ما أصبح هؤلاء الصحافيون يشكلون مصدرا إزعاج للسلطة من خلال التحقيقات الصحفية والمقالات المنتقدة التي كانوا ينشرونها، فبدأ التضييق عليهم واعتقال بعضهم وآخرين دفعتهم إلى الهجرة القسرية بعدما استحالت الحياة في المغرب.
لاحقا ظهر جيل آخر من الصحافيين الذين رفعوا سقف الجرأة من خلال تحقيقات ومقالات رأي متميزة يسائلون السلطة عبرها في عدد من القضايا المصيرية للبلاد.
هم كذلك، لم يستمروا طويلا حتى بدأت المتابعات والتضييقات، من المنع إلى الملاحقات القضائية. ثم جاءت مرحلة الاعتقالات بداية بالصحفي توفيق بوعشرين وبعده سليمان الريسوني ثم عمر الراضي، وهي قضايا أثارت انتقادات واسعة من منظمات دولية اعتبرت أن هناك استهدافا لحرية التعبير والصحافة المستقلة، وأدانت في تقاريرها استعمال “التهم الجنسية” للانتقام منهم.
في المقابل هنالك من اكتوى بنار الاعتقالات والمتابعات داخل صفوف أحزاب يسارية، وداخل جماعة العدل والإحسان، بل هناك مواطنون غير منتمون متابعون بسبب أراءهم المنتقدة للسياسات العمومية، أي أن منسوب المحاكمات السياسية ارتفع بشكل رهيب في المغرب.
أعتقد أن السلطة لم تعد قادرة على تحمل كلفة حرية الرأي والتعبير في بلادنا، لذلك تلجأ إلى أساليب أخرى للضغط على الصحافيين والأصوات المنتقدة، وأن كلفة تغيير الأوضاع مكلف جدا، فالسلطة لن تعيد ما فعلته في 2011 خلال احتجاجات الربيع العربي حين قامت بتغيير الدستور … اختارت هذه المرة قمع جميع الاحتجاجات السلمية ومتابعة المدونين والنشطاء لأن تكلفة السجون أقل بكثير من إصلاحات دستورية حقيقية.

- هل تعتقدين أن حملات التشهير كانت تهدف الضغط عليكِ وعلى زوجك الصحافي سليمان الريسوني؟
لقد تم نهج جميع الأساليب التي يمكن ولا يمكن للمرء تصورها، على رأسها الضغط والترهيب معي عبر جرائد التشهير لسنوات، حتى قبل اعتقال زوجي، فقد نشرت هذه الجرائد تفاصيل عن مشروع تقدمت به للإذاعة الوطنية للتلفزة المغربية حتى قبل الإعلان عن النتائج مستهدفة بذلك سليمان، وقبل اعتقاله بيوم قامت جرائد بنسب أشياء فضيعة لي، لكن المواجهات بدأت يوم قررت الخروج للإعلام بعد شهور من اعتقاله، آنذاك صرت موضوعا يوميا لتلك الجرائد التي باشرت الهجوم علي وفتح المجال لكل من لديه رغبة في ذلك، إذ أن بعض التدوينات وصلت إلى حدود تهديدي بالاغتصاب، تلتها مرحلة تشهير المؤسسات بي خلال فترة إضراب سليمان عن الطعام من طرف مندوب السجون وعدد من الديبلوماسيين المغاربة في الخارج.
إن ما مورس في حقنا، يتجاوز كونه تشهيرا، إنه اضطهاد ومحاولات بئيسة وحاقدة وخبيثة للنيل منا، فالتشهير لم يستهدفنا كأسرة فقط، وإنما كان سببا في أنني تمت محاصرتي محاصرة تامة في عملي، فأغلب المنتجين الذين كنت أتعامل معهم، بعد توالي مقالات التشهير بي بدأوا يتجنبونني خوفا من الجهات التي تستهدفني.
أعتبر “صحافة التشهير” هي آلة للتعذيب، فسليمان الريسوني غادر البلاد بعد أربع سنوات وشهرين من السجن، وبعد معاناة قاسية وإضراب طويل عن الطعام دام 122 يوما. خرج من السجن وهو يحاول استعادة حياته والعودة إلى العمل وتربية أطفاله، لكنه وجد نفسه مستهدفا بالتشهير من الجرائد التي تنبأت باعتقاله وأصدرت أحكاما قضائية عليه قبل محاكمته وصارت تلاحقه حتى بعد الإفراج عنه.
إن ما يمكن استنتاجه من العنف الممنهج والترهيب الذي تمارسه هذه الصحافة ضد سليمان هو أن الطريقة التي خرج بها من السجن لم تعجب الجهة التي اعتقلته، لكنها بالنسبة لي كانت خروجا بكرامة. صحيح أننا خسرنا سنوات من حياتنا وصحتنا النفسية والجسدية كأسرة، لكننا انتصرنا أخلاقيا ومعنويا في حرب هي الأكثر قسوة من حيث التفاصيل، لأن الهدف كان إذلالنا عن طريق التشهير بنا.
- ما الذي استجد مؤخرا ليستمر التشهير؟
في الحقيقة، التشهير لم يتوقف نهائيا، إنه يحدث بوتيرة هستيرية ويومية في حقنا، مرة يتهمون سليمان بمعاداة السامية في تدوينات حاقدة ومرة يهاجمونني بكلام بذيء تحت مسمى الدفاع عن الوطن، الجديد فقط هو أنني، بعد ست سنوات من الصمت والترفع عن متابعة أي شخص قضائيا، قررت أخيرا اللجوء إلى القضاء.
بالنسبة إليّ، مواقفي لم تتغير منذ 2009 أدافع عنها و أعبر عنها في كل فرصة، ما تغير هو الشكل والأسلوب الجديد للسلطة في قمع الأراء، فإنني أعتبر ما تمارسه “صحافة التشهير” هو اضطهاد ممنهج ووسيلة للترهيب والتعذيب النفسي، خصوصا وأنها تمارسه بأشكال مختلفة ومن نفس المحبرة،
فلطالما عبرت عن هذا الموقف خلال الاعتقال التحكمي لزوجي، ففي السابق كان التعذيب مباشرا في حق المعارضين في مخافر الشرطة والزنازين، أما اليوم ولأن المغرب بلد ملتزم بعدد من الاتفاقيات الأممية، أصبحت جهة داخله تسمح بأساليب أخرى للتعذيب لتفلت من المساءلة الدولية، تعتمد فيها على تسريب المعطيات الشخصية واستعمال بعض المنابر والصفحات الإلكترونية لتلفيق التهم واستهداف المعارضين والصحافيين لإسكاتهم. لكن تقارير كبريات المنظمات الدولية تلقفت ذلك وأدانت هذه الأساليب الجديدة للاضطهاد السياسي.
لهذا لا يمكنني أن أعتبر ما يحدث معنا هو نتاج لحالات فردية معزولة، فمنطقيا لا يمكن معادات أفراد لآخرين والتشهير بهم والمس بأعراضهم علانية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي وبشكل متكرر دون أن يطبق القانون في حقهم، وإنما هو منظومة كاملة تشتغل بهذا الأسلوب، ليس فقط عبر ما يطلق عليه ب“صحافة التشهير”، بل أيضا عبر صفحات وأشخاص ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل منظم لاستهداف الأصوات المنتقدة.

- هل تقدمتِ بشكاية في هذا الموضوع؟ وهل تتوقعين إنصافا قضائيا؟
لماذا سأتوقع؟ إذا أخذت شكايتي مسارها الطبيعي ستكون هناك نتيجة لا محالة.
نعم، تقدمت بشكاية عبر دفاعي لدى النيابة العامة، عندما أصبح لزاما علي حماية نفسي وأطفالي، ومدركة للخطر الجسدي الذي يمكن أن أتعرض له وأطفالي بسبب التحريض ضدنا، فمن خلال ما قرأته من تدوينات بغيضة ضدي، هذه المرة من طرف أفراد امتهنوا الخوض في أعراضنا، صار من اللازم أن يتحمل الجميع مسؤوليته، ومسؤوليتي هي أن أضع الشكايات، ومسؤولية النيابة العامة حمايتي وحماية أطفالي،
وقد تم التواصل معي من طرف الدرك الملكي بحكم الاختصاص الترابي، إنه قرار يشبه قرار دفاعي عن الحقيقة والمحاكمة العادلة لزوجي، ولأنني عشت مؤمنة بمبدأ دولة الحق والقانون، اخترت اللجوء إلى القضاء رغم كل ما تعرضنا له من ظلم.
الوقت وحده سيكشف إن كان الجميع متساوون أمام القانون، أم أن هناك من يوجد فوقه. أنا أدافع عن فكرة أساسية: المغرب يجب أن يكون دولة قانون تحمي جميع مواطنيها.
- لمن تحملين مسؤولية ما تتعرضين له؟
عندما يفلت أشخاص ومنابر إعلامية من العقاب رغم ارتكابهم لتجاوزات وجرائم خطيرة، فمن الطبيعي أن تتحمل الجهات المسؤولة وحتى غير المسؤولة بشكل مباشر المسؤولية المعنوية لصمتها أمام ذلك، في الأخير نحن نتحدث عن دولة بها مؤسسات، والسلطة القضائية هي الفيصل في النزاعات القضائية، لأنها الجهة التي يفترض أن تحسم في مثل هذه القضايا.
فاستمرار الإفلات من العقاب، شجع على مزيد من التشهير والعنف اللفظي ضد المعارضين والصحافيين وعائلاتهم والتحريض ضدهم وتهديدهم على مرأى ومسمع من الجميع، مما قد يتسبب في كارثة داخل المجتمع.
كما أن ما تقوم به بعض المنابر الصحفية أفسد المجتمع بالتطبيع مع خطاب العنف والوعيد، وهو أمر لا يشبه قيم المجتمع المغربي.
- مقابل صحافة التشهير، هناك صحافة مستقلة ما تزال تساندكِ. ماذا تقولين عنها؟
الصحافة في الأصل مهنة نبيلة، ويجب أن تكون منحازة لقضايا الناس وهمومهم. ما تزال هناك منابر تحترم المهنة وأخلاقياتها وتنقل الأخبار بمهنية واحترام لعقول القراء.
أنا شخصيا أتابع عددا وإن كان قليلا من المواقع والصحافيين الذين أعتبرهم جادين، لأنني أعلم أنهم لا يكتبون بدافع التشهير أو تصفية الحسابات. في المقابل، هناك منابر أخرى يشعر القارئ بالخوف من حجم الانحياز للعنف والتحريض وغياب الفحوى.
لذلك أرفع القبعة لكل الصحافيين الذين واصلوا متابعة قضيتنا باحترام ومهنية، رغم صعوبة الظروف الحالية وما تعيشه المهنة من حصار.
- هل يمكن اليوم الحديث عن حرية حقيقية للرأي والتعبير في المغرب؟
للأسف، حرية الرأي والتعبير تعيش أزمة واضحة وخطيرة. وأشكال قمعها أصبحت مختلفة، أحيانا يصبح مجرد التعبير عن رأي مخالف سببا للتخوين أو وضع الشخص في “القائمة السوداء”، ناهيك عن جملة الاعتقالات والمتابعات التي تطال عددا من المواطنين والنشطاء.
اليوم هناك من يعتبر أن أي انتقاد للسياسات العمومية هو موقف ضد الوطن، وهذا أمر خطير جدا وتحول صادم داخل المجتمع، فالطريقة التي تم تلقين “الوطنية” بها لأفراد داخل المجتمع تجر معها العنف بكل أشكاله، وعواقبه لن تكون هينة أبدا.
في رأيي، إن دور الصحافة المهنية تمت تصفيته بشكل شبه مطلق، وأعتقد أن السلطة في بلدنا قد استوعبت بعد هذه المآلات المؤسفة خطورة وكلفة ذلك.
نحن نريد مغربا ديمقراطيا يقوم على دولة الحق والقانون، تحترم فيه ا الآراء ويضمن حرية التعبير للجميع، لا أن يفرض على الناس طريقة واحدة في التفكير والكلام والعيش.
- إذا استمر التشهير والتضييق عليك هل ستغادرين البلاد؟
هذا قرار جد صعب بالنسبة لي، هذا موضوع ليس مطروحا لدي لقد عشت أياما صعبة جدا في بلدي خلال اعتقال زوجي ولم أغادره، خرجت منه مرة للترافع عن ملفه وعدت أدراجي، ولا رغبة لدي في مغادرة المغرب، ارتباطي به كبير، وأحلامي فيه جميلة، فلن أغادر إلا مضطرة .
- كلمة أخيرة؟
بعد ست سنوات من الصمود أمام التشهير والابتزاز والترهيب، سنوات خلقت مني نسخة أخرى، أعتبر أنه من حقي اللجوء إلى القضاء ومحاسبة كل من استهدف كرامتي وحياتي الخاصة، وأنني خلال السنوات التي مضت، لم أكن أدافع عن عدالة قضية الصحفي سليمان الريسوني فقط، بل كنت أدافع عن نفسي من الاستهداف الذي طالني وعن وطن راكمت فيه نضالاتي منذ صغر سني مهما بدت بساطتها، لأحقاق الديمقراطية و دولة الحق والقانون ،
وأعلن تضامني مع جميع ضحايا التشهير، وعلى رأسهم زوجات الصحافيين والمعارضين الذين تعرضوا للاستهداف والإساءة بحقد، وأطالب السلطة في المغرب بوضع حد لهذا النزيف. المغرب بحاجة لعقول وأفواه نظيفة في جميع المجالات للنهوض بمجتمعنا.














