يحل رمضان، فتتحول الشاشات إلى ساحة مكتظة بالعروض.
مسلسلات تتكاثر، برامج ترفيه تتزاحم، إعلانات تتضاعف، وضجيج بصري لا يهدأ.
كأن الشهر الذي يُفترض أن يكون مساحة صفاء داخلي، يصبح موسماً للفرجة المكثفة.
ليس السؤال: هل نُشاهد أم لا؟
بل: ماذا نشاهد؟ ولماذا؟ وبأي أثر؟
الإعلام ليس مجرد وسيلة تسلية؛
هو فاعل ثقافي يُشكّل الذوق، ويعيد ترتيب الأولويات، ويؤثر في اللغة والسلوك ونمط التفكير.
وفي رمضان تحديداً، يتضاعف تأثيره، لأن الأسرة تجتمع، والوقت يُعاد تنظيمه، والانتباه يصبح موجهاً نحو الشاشة.
المفارقة أن شهراً يقوم على تقليل الشهوات، يُستثمر أحياناً في تضخيم شهوة الاستهلاك الرمزي:
شهوة الإثارة، شهوة السخرية، شهوة الفضول، شهوة الضحك السهل.
فتُقدَّم التفاهة في قالب مرح، ويُعاد إنتاج الصور النمطية، وتُختزل القضايا الإنسانية في مشاهد عابرة.
النقد هنا ليس رفضاً للفن ولا للترفيه.
فالإنسان يحتاج إلى الجمال والضحك والحكاية.
لكن السؤال الأعمق:
هل يرتقي الإعلام بذائقتنا في هذا الشهر، أم يهبط بها؟
هل يوقظ وعينا، أم ينوّمه؟
حين تُختزل الكرامة الإنسانية في مادة للسخرية،
وحين يُقدَّم العنف اللفظي كفكاهة،
وحين تُسطّح القضايا الاجتماعية المعقدة في مشاهد مبالغ فيها،
فإننا لا نستهلك مجرد محتوى، بل نُعيد تشكيل وعينا على نحوٍ لا نشعر به.
رمضان، في جوهره، شهر إعادة ترتيب الداخل.
لكن الإعلام، إن لم يكن مسؤولاً، قد يشتت هذه العملية.
يجعل الليل أطول مما ينبغي، ويستنزف الوقت الذي كان يمكن أن يكون لحظة حوار أو قراءة أو تأمل.
المسألة ليست في عدد الساعات أمام الشاشة،
بل في نوع الأثر الذي تتركه تلك الساعات فينا.
هل نصبح أكثر إنسانية؟
أكثر تعاطفاً؟
أكثر وعياً بتعقيدات مجتمعنا؟
أم نكتفي بالضحك السريع الذي يزول مع نهاية الحلقة؟
الإعلام، في نهاية المطاف، مرآة ومرسِل في آنٍ واحد.
يعكس ما نطلب، لكنه أيضاً يوجّه ما سنطلبه لاحقاً.
فإن ارتفع طلبنا ارتفع عرضه،
وإن قبلنا بالسطحي، استمر في تقديم السطحي.
هنا تتجلى المسؤولية المشتركة:
مسؤولية المنتج، ومسؤولية المتلقي.
فكما ننتقي طعامنا في رمضان بعناية،
ينبغي أن ننتقي ما نُدخل إلى عقولنا وقلوبنا.
قد لا نستطيع تغيير الخريطة الإعلامية كلها،
لكننا نستطيع أن نُعيد توجيه بوصلة بيوتنا.
أن نجعل الشاشة وسيلة لا مركزاً،
وأن نستعيد لرمضان هدوءه الإنساني الذي يكاد يضيع بين الفواصل الإشهارية.
السؤال الذي نختم به:
هل نسمح للإعلام أن يحدد لنا إيقاع رمضان…
أم نمتلك الشجاعة لنحدد نحن إيقاع علاقتنا به؟















