لم يكن نجيب السالمي مجرد توقيع في أسفل المقالات الرياضية، ولا مجرد مراسل يتابع المباريات والنتائج، بل كان واحداً من الوجوه الفكرية الهادئة التي منحت الصحافة الرياضية المغربية بعداً تحليلياً وأخلاقياً نادراً.
اسمه الحقيقي سعيد حجاج، أحد أعمدة يومية “لوبينيون” المغربية، التي ارتبط اسمه بها طويلاً، حتى صار جزءاً من ذاكرتها المهنية ومن أرشيفها الوازن.
منذ خطواته الأولى في عالم الصحافة، اختار السالمي أن يسلك طريق الصرامة المهنية لا طريق الإثارة السهلة.
لم يكن يبحث عن العناوين الصاخبة ولا عن المجد العابر، بل كان يراكم الخبرة بصمت، ويصوغ مواقفه بعناية، ويكتب من موقع العارف بخبايا اللعبة وخلفيات القرار الرياضي.
في مقالاته، كان القارئ يجد تحليلاً عميقاً يتجاوز نتيجة المباراة إلى قراءة السياق، ويفكك بنية التسيير، وينبه إلى اختلالات التحكيم، دون أن يسقط في التشنج أو الاتهام المجاني.
تميّز نجيب السالمي بثقافة مزدوجة، حمل عقلية فرنسية في البناء والتحليل، وقلباً مغربياً نابضاً بالغيرة الصادقة على صورة الوطن وكرامة رياضييه. هذه الثنائية منحته قدرة نادرة على الربط بين المحلي والدولي، وعلى قراءة ما يجري في ملاعب المغرب بعيون منفتحة على التجارب الأوروبية والعالمية، مع حرص دائم على الدفاع عن المصالح المعنوية للكرة المغربية داخل الهيئات القارية والدولية.
لم يكن حضوره مؤثراً فقط من خلال مقالاته، بل أيضاً من خلال شبكة علاقاته الواسعة في الأوساط الرياضية، داخل المغرب وخارجه.
فقد راكم تجربة طويلة في متابعة ملفات الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والمشاركات القارية والدولية، وكان صوتاً مسموعاً في النقاشات المرتبطة بالتحكيم واللوائح والتنظيم. وبفضل لغته الرصينة ومعرفته الدقيقة بالقوانين الرياضية، تحول إلى مرجع غير معلن للعديد من الصحافيين الشباب والفاعلين الرياضيين الباحثين عن قراءة متزنة وموثوقة.
في شخصيته، جمع السالمي بين التواضع والصرامة، وبين الابتسامة الهادئة والموقف الصلب عند الحاجة. لم يكن من هواة الأضواء، وكان يفضل أن يتكلم النص عنه بدل أن يتكلم هو عن نفسه.
ومع ذلك، كان حضوره في الندوات والمناسبات الرياضية يفرض الاحترام، لما يحمله من تجربة وما يبديه من إنصات وقدرة على التفكيك الهادئ للمشكلات المعقدة.
برحيله، لا تفقد “لوبينيون” فقط أحد أبرز أقلامها الرياضية، بل تفقد الصحافة المغربية نموذجاً من نماذج الصحافي المثقف، الذي آمن بأن الرياضة ليست فرجة فقط، بل مجالاً يعكس صورة المجتمع، ومستوى مؤسساته، وقيمه في التنافس والنزاهة والعدالة.
ويظل إرثه المكتوب شاهداً على مرحلة كاملة من تاريخ الصحافة الرياضية الوطنية، مرحلة كانت فيها الكلمة تُصاغ على مهل، ويُدافع بها عن الحقيقة قبل الشهرة.
رحم الله سعيد حجاج، المعروف بنجيب السالمي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه من معرفة ونزاهة في ميزان حسناته، وألهم أسرته ومحبيه وزملاءه الصبر والسلوان.
فقد رحل الجسد، وبقي الأثر، وبقي الاسم محفوراً في ذاكرة الصحافة الرياضية المغربية.















