في عالم يتسع فيه منسوب التوتر حول قضايا الهجرة، و يضيق فيه هامش الحقوق أمام ملايين العمال المهاجرين، اختارت المنظمة الديمقراطية للشغل، بمعية المنظمة الديمقراطية للعمال المهاجرين بالمغرب، أن تضع سؤال الهجرة في المغرب في قلب النقاش العمومي، ليس من زاوية الأرقام أو الخطابات الاحتفالية، بل من زاوية الكرامة الإنسانية، و الاندماج، و المسؤولية الجماعية.
الندوة الفكرية و الترافعية المنظمة بالرباط، بمناسبة اليوم الدولي للمهاجرين و أفراد أسرهم (18 دجنبر 2025)، جاءت لتؤكد أن الهجرة لم تعد ملفاً هامشياً أو ظرفياً، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى نضج السياسات العمومية، وقدرة المجتمعات على استيعاب التنوع باعتباره ثروة لا تهديداً.

اختيار شعار:
«المغرب ملتقى التبادلات المتعددة الثقافات، فضاء للترحيب و الضيافة والرياضة و الاندماج الاجتماعي»
لم يكن اعتباطياً، بل يعكس تحوّلاً عميقاً في موقع المغرب داخل ديناميات الهجرة الإقليمية و الدولية. فالمملكة لم تعد مجرد بلد عبور، بل أضحت، بحكم الواقع، فضاءً للاستقرار و الإقامة و العمل، ما يفرض انتقالاً واعياً من منطق التدبير الأمني إلى منطق الإدماج الحقوقي و الاجتماعي.
و قد شدد المتدخلون على أن التجربة المغربية، رغم ما راكمته من مكتسبات، ما تزال في حاجة إلى نفس جديد، قادر على تحويل المبادئ المعلنة إلى ممارسات ملموسة، تضمن للعمال المهاجرين الولوج الفعلي إلى الشغل اللائق، و الخدمات الاجتماعية، و الحماية القانونية، دون تمييز أو هشاشة.
الندوة لم تكتفِ بتثمين الأدوار الإيجابية التي يضطلع بها المهاجرون في الاقتصاد و الثقافة و الرياضة، بل فتحت نقاشاً صريحاً حول الإكراهات اليومية التي تواجههم، من تعقيدات المساطر الإدارية، إلى مظاهر الإقصاء الاجتماعي، وصولاً إلى تأثيرات النزاعات الدولية و التغيرات المناخية، التي تدفع بموجات جديدة من الهجرة القسرية.
و في هذا الإطار، أكد المشاركون أن أي سياسة هجرة ناجعة لا يمكن أن تنجح دون إشراك المهاجرين أنفسهم في بلورتها، و دون ربطها بمقاربة حقوقية شمولية، تنسجم مع الالتزامات الدولية، و تتصدى بحزم لظواهر الاتجار بالبشر و الاستغلال الاقتصادي.
و من بين النقاط اللافتة في أشغال الندوة، إبراز الدور غير التقليدي للرياضة و الفنون كآليات فعالة للاندماج الاجتماعي. فبعيداً عن الخطابات الرسمية، تشكل الملاعب، و المسارح، و الفضاءات الثقافية، مجالات يومية للتلاقي و كسر الصور النمطية، وهو ما يكتسي أهمية خاصة في سياق استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية قارية كبرى.
في لحظة يتصاعد فيها خطاب الخوف من “الآخر”، جاءت هذه الندوة لتعيد الاعتبار للهجرة كرافعة للتنمية، و مجال للتنوع، و فرصة لبناء مجتمع أكثر انفتاحاً و تضامناً. فقصص النجاح التي تم عرضها لمهاجرين اندمجوا و أسهموا في النسيج الاقتصادي و الاجتماعي، أكدت أن الإشكال لا يكمن في الهجرة ذاتها، بل في كيفية تدبيرها.
الرسالة التي خرجت بها الندوة واضحة: الهجرة ليست ملفاً تقنياً يُدار في المكاتب، بل قضية إنسانية بامتياز، تتطلب شجاعة سياسية، و وضوحاً حقوقياً، و إرادة حقيقية لبناء سياسات إدماج عادلة و شاملة.
هكذا، تكون هذه المبادرة قد نجحت في تحويل مناسبة رمزية إلى فضاء تفكير جماعي، يضع الإنسان في صلب السياسات، و يؤكد أن كرامة المهاجر ليست امتيازاً، بل حقاً أصيلاً، و اختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمعات بقيم العدالة و الإنصاف.















