في مساء شتوي من شهر دجنبر، تفتح قاعة مسرح باحنيني بالرباط أبوابها لتجربة مسرحية تحمل في طياتها أكثر من مجرد عرض فني. فرقة محترف الفن الأصيل للسينما والمسرح تستعد لتقديم عرضها الخامس لمسرحية “كناش الحشمة”، يوم الخميس 25 دجنبر 2025 على الساعة السابعة والنصف مساء، ضمن برنامج دعم المشاريع الثقافية والفنية لسنة 2025 الذي تشرف عليه وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة.

العمل يندرج في سياق السعي إلى إغناء المشهد المسرحي المغربي، ويقترح على الجمهور رحلة فنية تمزج بين التراث والفانتازيا، حيث يستعاد الموروث الثقافي الصحراوي بوصفه ذاكرة حية، لا مادة جامدة. المسرحية لا تكتفي بالاحتفاء بالتراث، بل تحوله إلى أداة لطرح أسئلة إنسانية عميقة حول الوجود، والعلاقات، والحرية، والمساواة، ووضعية المرأة داخل بنية اجتماعية تحكمها الأعراف والتقاليد.
تتشكل الحكاية حول قبيلة “بشار الخير”، التي تنطلق في سفر رمزي بحثا عن معنى مفقود، وعن حقيقة غائبة خلف الصمت والخوف. من خلال هذا السفر، تنفتح المسرحية على أسطورة متداولة لدى الرحل، تتحول إلى مدخل لتأمل قيم الحب والتسامح والتضحية، وإلى مساءلة ثقافة العار والإقصاء. في قلب هذا المسار، يواجه بشار الخير سلطة الشيخ عرعار، الذي يسجن ابنته في “قبة العار”، متنكرا لوجودها وحقها في الحرية، ليجد نفسه في صراع مفتوح مع عقلية تكرس العبودية وتستثمر في الجهل ونسيان الحقوق.
النص المسرحي، الذي كتبه عبد المجيد سعد الله، يستثمر الرمزية والموروث اللامادي والتاريخ الشفاهي، ويمنح الحكاية بعدا فلسفيا ونفسيا واضحا. الشخصيات لا تتحرك فقط داخل فضاء حكائي، بل داخل فضاء نفسي تتقاطع فيه الرغبة في الحياة مع نزعة الموت، ويظهر فيه السلوك السادي والمازوشي، وعقد الشرف والرجولة، والخوف من المستقبل، والرغبة في الفناء. المسرح هنا يصبح مساحة للإحساس والصدمة والتساؤل، وسبيلا إلى نوع من التطهير.
التصور الإخراجي، الذي أشرف عليه سامي سعد الله، يستلهم أدوات التحليل النفسي، ويحول الفضاء المسرحي إلى كتابة بصرية للفراغ العاطفي، وإلى مجال لتفجير أحداث قابعة في لاوعي الشخصيات. تحليل الأحلام، والاشتغال على الإشارات والرموز، يمنح العرض انسجاما بين اللغة المنطوقة والخطاب البصري، ويجعل المتفرج شريكا في فك شفرات الدلالات والمعاني.
على مستوى التشخيص، يجمع العرض أسماء مسرحية وازنة، من بينها مصطفى اهنيني، الذي يسجل عودة جديدة إلى الخشبة بعد سنوات من الغياب، إلى جانب بوشعيب العمراني، سعيد مزوار، رجاء بوحامي، والحسين اغبالو. وتتكامل الرؤية الفنية من خلال السينوغرافيا وتصميم الملابس لياسين الزاوي، والموسيقى التي أشرف على ألحانها وتوزيعها كل من توفيق بلخضر ورشيد بيضار، بينما تولى عبد المجيد سعد الله أيضا كتابة كلمات الأغاني والدراماتورجيا.
“كناش الحشمة” لا يقدم نفسه كعرض مسرحي فقط، بل كرحلة ثقافية وروحية تستحضر ذاكرة الرحل، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول الإنسان، ومعنى الحياة والموت، والعائلة والمجتمع، والتضحية والحرية. هو عمل يؤكد من جديد قدرة المسرح على أن يكون فضاء للحوار، ومجالا للتأمل في القيم الإنسانية، وأداة لإحياء التراث دون فصله عن أسئلة الحاضر.














