حين أعلن وليد الركراكي نهاية فترته مع المنتخب المغربي، لم يكن الأمر مجرد تغيير مدرب بمدرب، بل نهاية فصل استثنائي من تاريخ كرة القدم المغربية.
ولد الركراكي سنة 1975 في فرنسا، وبدأ مسيرته كلاعب في مركز الظهير الأيمن. لعب في الدوري الفرنسي مع أندية مثل أجاكسيو وتولوز، كما خاض تجربة في الدوري الإسباني مع راسينغ سانتاندير. لم يكن من نجوم العناوين الكبرى، لكنه كان لاعبا معروفا بالانضباط التكتيكي .
كما حمل قميص المنتخب المغربي في مناسبات عديدة، وكان جزءا من الجيل الذي وصل إلى نهائي كأس أمم أفريقيا سنة 2004و كان عنصرا ذو أهمية.
بعد اعتزاله اللعب، اختار الركراكي طريق التدريب. بدأ بهدوء كرجل ظل و مساعد للناخب الوطني رشيد الطاوسي ، قبل أن يفرض اسمه في الدوري المغربي مع نادي الفتح الرباطي. قاد الفريق العاصمي إلى الفوز بكأس العرش سنة 2014 ثم لقب الدوري سنة 2016 في إنجاز تاريخي للنادي، ثم خاض تجربة في الدحيل القطري حقق فيها اللقب المحلي، قبل أن يعود للمغرب و يقود الوداد الرياضي في موسم تاريخي محققا لقب البطولة الوطنية ،دوري أبطال أفريقيا سنة 2022، اضافة الى الوصول الى نهائي كأس العرش ،مؤكدا أنه مدرب يعرف كيف يتعامل مع المواعيد الكبرى.
لكن اللحظة التي صنعت اسمه عالميا جاءت مع المنتخب المغربي. حين تولى المهمة قبل أشهر قليلة من كأس العالم قطر 2022، لم يكن الوقت في صالحه، وكانت الشكوك كثيرة. غير أنه نجح في بناء مجموعة متماسكة، وأعاد الروح إلى المنتخب في وقت قياسي.
في قطر، لم يحقق المغرب نتائج جيدة فقط، بل صنع ملحمة. تأهل أسود الأطلس إلى نصف نهائي كأس العالم ليصبح المغرب أول منتخب أفريقي وعربي يبلغ هذا الدور. تصدر المنتخب مجموعته التي ضمت بلجيكا وكرواتيا، ثم أقصى إسبانيا في ثمن النهائي والبرتغال في ربع النهائي، في مسار استثنائي ألهم ملايين الجماهير.
تحت قيادته، حقق المنتخب المغربي سلسلة انتصارات لافتة، من بينها رقم قياسي عالمي بلغ خمسة عشر انتصارا متتاليا، كما استقر المغرب كأفضل منتخب أفريقي وعربي في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم، وبلغ المرتبة الثامنة عالميا، وهي أعلى رتبة في تاريخ الكرة المغربية.
هذا النجاح توج بحصول الركراكي على جائزة أفضل مدرب في أفريقيا سنة 2023.
لكن التجربة لم تكن خالية من الانتقادات. فقد وجهت له ملاحظات تتعلق باختياراته البشرية، حيث اعتبر بعض المتابعين أنه تمسك بلاعبين من الحرس القديم رغم تراجع مستواهم، مقابل منح فرص محدودة لبعض المواهب الشابة الصاعدة.
كما تعرض لانتقادات تكتيكية في بعض الفترات، خصوصا عندما واجه المنتخب المغربي منتخبات تلعب بأسلوب دفاعي مغلق. رأى بعض المحللين أن المنتخب افتقد أحيانا إلى حلول هجومية بديلة، وأن أسلوب اللعب أصبح متوقعا في بعض المباريات.
ملف تدبير البدلاء كان بدوره محل نقاش، إذ اعتبر البعض أن دكة الاحتياط لم تكن دائمًا قادرة على تغيير مجريات المباريات في اللحظات الحاسمة.
حتى تصريحاته الإعلامية أثارت الجدل في بعض الأحيان. فالصراحة التي صنعت شعبيته في البداية اعتبرها البعض لاحقا نوعا من الثقة الزائدة، خاصة في الفترات التي تراجعت فيها النتائج في بعض المنافسات القارية.
ورغم النجاح العالمي في كأس العالم، ظل اللقب الأفريقي الغائب أبرز ما يؤخذ على فترته. فقد كان جزء من الرأي العام يعتبر أن الجيل الذي قاده الركراكي كان قادرا على التتويج بكأس أفريقيا، وأن الخروج المبكر من نسخة 2023 أو خسارة نهائي 2025 على أرض المغرب كانا لحظتين مؤلمتين.
ومع ذلك، تبقى تجربة الركراكي مع المنتخب المغربي تجربة استثنائية لكنها غير مكتملة. فقد نجح في كتابة أعظم صفحة في تاريخ الكرة المغربية خلال مونديال قطر، لكنه لم يتمكن من تحويل ذلك الزخم إلى تتويج قاري يوازي طموحات الجماهير، خاصة بعد الاقصاء المؤلم من كأس أفريقيا الأخيرة.
ورغم هذا الجدل، سيبقى اسم وليد الركراكي مرتبطا بمرحلة غير مسبوقة في تاريخ المنتخب المغربي، مرحلة جعلت المغاربة يعيشون حلما كرويا لم يسبق أن تحقق. وبين الإنجاز العالمي والخيبات القارية، يظل إرثه مع الأسود واحدا من أكثر الفصول تأثيرا في تاريخ الكرة المغربية.















