* فتاح الحيداوي
عندما نتحدث عن اليسار في المغرب، فإننا بالضرورة نتحدث عن بروز وعي سياسي جديد صاحب مرحلة الاستقلال خصوصا في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي ،وعي سياسي ساهم بشكل قوي وربما ثوري في بعض المحطات في بروز صراع حاولت قوى اليسار ان توجه بوصلته نحو مفاهيم من قبيل، الديمقراطية،وثقافة حقوق الإنسان ، و إنصاف الطبقة العمالية ، وما الى ذلك من المفاهيم التقدمية.
ولإلقاء المزيد من الضوء على اليسار ومآلاته ،تتقاسم جريدة لوبوكلاج مع قرائها الكرام إمكانية الاطلاع على دراسة قام بها الأستاذ عبد الفتاح الحيداوي تتضمن ستة محاور ، دراسة اختار لها صاحبها من العناوين:( تحولات اليسار المغربي من الراديكالية إلى المخزنة واستشراف آفاق المستقبل )، سنتولى في جريدة لوبوكلاج نشر هذه الدراسة بحسب محاورها الستة تباعا … ( لوبوكلاج)
اليسار والحركات الاحتجاجية الجديدة
يشكل مسار اليسار المغربي خلال العقد الأخير مراة عاكسة لتحولات عميقة في بنية الفعل الاحتجاجي وأنماط الوساطة السياسية داخل المجتمع. فمنذ لحظة حركة 20 فبراير، لم يعد بالإمكان الحديث عن استمرار الأدوار التقليدية التي اضطلعت بها الأحزاب، وخاصة اليسارية منها، في تأطير الشارع وقيادة الديناميات الاحتجاجية. فقد مثلت تلك اللحظة إعلانا فعليا عن انتقال مركز الثقل من التنظيمات الحزبية المغلقة إلى فضاءات مفتوحة، يتقاطع فيها الميداني بالرقمي، وتتراجع فيها سلطة (البيان) لصالح (المنشور) و(البث المباشر). في هذا السياق، برزت ما يمكن تسميته بأزمة الوساطة التاريخية، حيث فقدت الهياكل الحزبية قدرتها على لعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وأصبحت عاجزة عن استيعاب أشكال الغضب الجديدة أو توجيهها.
هذا التحول لم يكن معزولا عن اختيارات اليسار المؤسسي، الذي وجد نفسه أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على موقعه داخل مؤسسات الدولة وبين الاستمرار كقوة احتجاجية. وقد اختارت مكونات أساسية مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية نهج مقاربة تقوم على الإصلاح من الداخل، وهو ما أدى تدريجيا إلى تاكل رصيدها النضالي وفقدانها لثقة فئات واسعة من الشباب. هذا الخيار عمق أيضا الفجوة بين القيادات الحزبية وقواعدها، حيث لم تعد اللغة السياسية التقليدية قادرة على استيعاب تحولات جيل جديد يتبنى أشكالا أكثر سيولة ومرونة في الاحتجاج. وهكذا، لم يعد الانتماء الحزبي شرطا للمشاركة السياسية، بل أصبح ينظر إليه أحيانا كقيد يحد من الفعالية.
في المقابل، ساهمت التحولات السوسيواقتصادية المرتبطة بتبني سياسات ذات طابع نيوليبرالي في إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية للاحتجاج. فقد أدى تفكيك بعض اليات الحماية الاجتماعية إلى بروز فئات جديدة من الهشاشة، لم تعد تجد في النقابات أو الأحزاب إطارا قادرا على الدفاع عن مصالحها. في هذا السياق، تراجعت الثقة في المؤسسات الوسيطة، وأصبح ينظر إليها كجزء من المنظومة القائمة أكثر من كونها أداة لتغييرها. ومن هنا برزت القطاعية كاستراتيجية احتجاجية فعالة، حيث تركز الحركات الجديدة على مطالب ملموسة ومحددة، بدل الانخراط في مشاريع مجتمعية شاملة كما كان يفعل اليسار التقليدي.
وقد تجسد هذا التحول بوضوح في صعود (التنسيقيات) كفاعل مركزي في المشهد الاحتجاجي، خاصة خلال حراك التعليم (2023-2024)، حيث استطاعت هذه التنظيمات الأفقية أن تفرض نفسها كبديل فعلي للنقابات التقليدية. فهي لا تقوم على بنية هرمية، بل تعتمد على التنظيم القاعدي واتخاذ القرار بشكل جماعي، كما أنها تحافظ على استقلالها عن الأحزاب، مما يمنحها مصداقية أكبر لدى المحتجين. والأهم من ذلك أنها تتبنى خطابا مباشرا وراديكاليا، يرفض التسويات الجزئية ويتمسك بتحقيق المطالب كاملة، وهو ما مكنها من الاستمرار في الاحتجاج حتى بعد توقيع اتفاقات رسمية مع النقابات.
غير أن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل سبقته مؤشرات قوية ظهرت خلال حراك الريف وحراك جرادة، حيث بدا واضحا غياب التأطير الحزبي التقليدي عن الميدان، مقابل حضور قوي لخطاب الكرامة والعدالة الاجتماعية. هذه المفارقة كشفت أن اليسار لم يختف كمنظومة قيم، بل استمر كروح تحرك المطالب الشعبية، في حين تراجع كتنظيم قادر على الفعل. كما أظهرت أن الأطر النظرية الكلاسيكية لم تعد كافية لفهم ديناميات احتجاجية تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية بالهوياتية والمجالية.
في هذا السياق، لعب الفضاء الرقمي دورا حاسما في إعادة تشكيل الفعل الاحتجاجي، حيث أصبح (الشارع الأزرق) مجالا مركزيا للتعبئة والتنظيم. فالحملات الرقمية، مثل جيل z، أثبتت قدرة كبيرة على التأثير دون الحاجة إلى هياكل تنظيمية تقليدية. ويتميز هذا الشكل من الاحتجاج بالسيولة، إذ يصعب تحديد قياداته أو التفاوض معه، كما يتسم بقدرة عالية على الانتشار السريع وتجاوز الحدود الجغرافية. بذلك، لم يعد الاحتجاج مرتبطا بزمن أو مكان محددين، بل أصبح حالة مستمرة تتغذى من التفاعل الرقمي اليومي.
أمام هذه التحولات، يجد اليسار المغربي نفسه في وضعية مفصلية، حيث لم يعد بإمكانه الاستمرار بالمنطق التنظيمي القديم دون أن يزداد تهميشه، كما أن الانخراط في الأشكال الجديدة للاحتجاج يتطلب مراجعات عميقة تمس بنيته وثقافته السياسية. فإما أن يتحول إلى فاعل مندمج في الديناميات القاعدية، متخليا عن نزعة الوصاية، أو أن يستمر في الانغلاق التدريجي إلى أن يتحول إلى مجرد ذاكرة سياسية. وفي كلتا الحالتين، يبدو واضحا أن المستقبل لم يعد حكرا على الأحزاب، بل أصبح مفتوحا أمام أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي والسياسي، أكثر مرونة وقدرة على التكيف.
إن ما نعيشه اليوم لا يعكس فقط أزمة اليسار، بل يعبر عن تحول أوسع يمس طبيعة الفعل السياسي ذاته، حيث تتراجع الوساطة التقليدية لصالح أنماط شبكية وأفقية، تستمد شرعيتها من القاعدة لا من المؤسسات. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن اليسار لا يزال حاضرا كأفق قيمي ومطلب اجتماعي، لكنه فقد أدواته التنظيمية التقليدية، تاركا المجال لفاعلين جدد يعيدون صياغة الاحتجاج بلغة العصر وأدواته.















