* النقيب عبد الرحيم الجامعي
يذكرني المنحى السلطوي للحكومة المتمثل في نص مشروعها لتنظيم المحاماة، والذي هو في الحقيقة العينة الأولى لفرض الطوق عليها وعلى مؤسساتها، بما قام به الرئيس أنور السادات بداية سنة 1981 عندما أصدر قراراً بحل نقابة المحامين برئاسة النقيب أحمد الخواجة، لا لشيء سوى لأن المحامين ونقابتهم بمصر تصدوا له بمناسبة إقدامه على التطبيع مع الكيان الصهيوني ورغبته في مقاومة كل تنظيم نقابي معارض. ومن هنا أخشى أن تحاول الحكومة الحاكمة بالمغرب إعادة محاولة الرئيس السادات، وأن يكون وراء الدفع بنص المشروع المتعلق بالمحاماة في حالته المرفوضة هو الانتقام من مواقف المحامين وجمعيتهم من قانون السلطة المدنية والسلطة الجنائية، ومن مواقفهم من عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومن مواقفهم ضد إجراءاتها على حرية الرأي والصحافة وعلى حرية التجمع والتنظيم وعلى الحق في حصول الجمعيات على الوصل القانوني، والانتقام منهم بسبب مواقفهم من المحاكمات التي طغى فيها الانحراف عن مقومات المحاكمة العادلة، ومن بينها محاكمات حركة شباب 20 فبراير…
وأنا آسف أن أقول إن الحكومة اليوم تفتقر لرؤية سياسية للتعامل مع الأزمات، وأن تنعدم لها النظرة الاستباقية لآثار سياستها وهي تضع مشاريع القوانين، وأن لا تترقب آثار اختياراتها، وأن لا تكون لها خلية أزمة للاستماع والتفاعل والتفكير في الحلول التي تفرضها لحظات الاحتكاك السياسية والمجتمعية، وأن لا تقرأ القراءة الذكية والمسؤولة لاحتجاجات المحاميات والمحامين، وأن تتعامل معها بنوع من التردد والبرودة، وكأن الرأي العام مؤسسة لا تعنيها…
وفي النهاية، يبدو لي أن عدم قدرة الحكومة على التعاطي مع الأزمات يعني أن الحكومة تعيش نفسها أزمة في فكرها السياسي، وأزمة تعامل وتجاوب مع مجتمع يتسع الخندق بينه وبينها، وتهتز ثقته فيها ولعل من ممارساتها ومن خطاباتها ومن عجزها… وهو ما أعرف به وأعلنه رئيساً قبل أسابيع، عندما استقال قبل نهاية عهد وزرائه قبل الأوان…
إنها نهاية حكومة حققت رقماً قياسياً في قائمة الأزمات التي عرفها المجتمع…
لبداية مهمة مركزية، والأمل أن تشتغل بروح التآزر والاعتراف المتبادل بين مكوناتها من أجل المحاماة ومن أجل استقلالها، وأن تفرغ لهذا الهدف وتعطي له كل الطاقة والوقت…
كل الشكر لمن دعا ونظم وحضر وأسس هذا الدفاع المجتمعي الذي اعتبره “منجزاً سياسياً وحقوقياً” يأتي اعترافاً بالمحاماة بقوتها وضرورتها للمغرب وللمجتمع المغربي وللعدالة، وليؤكد أن المحاماة ليست مؤسسة تعني المحامين فقط، وليست مهنة للتوسل والاستجداء، بل كرامتها مسؤولة.
الجبهة المعلن عنها دفاعاً عن استقلال المحاماة، هي في حقيقتها تأكيد من هيئات سياسية وحقوقية وكفاءات مهنية عن اعتراف جديد بهوية المحاماة ومكانتها في واقع ووجدان المجتمع، أرادت الحكومة أن تهمشها وأن تطمس مكانتها داخل ثنايا نص مشروع قانون يفسر بالأساس استقلالها، فهي لا تدعي أنه بالاعتداء على استقلال المحاماة تعدي على استقلال القضاء، وتعدي أصلاً على أسس مادس تُغنى للاستقرار والأمن بالمغرب.
الجبهة المعلن عن تأسيسها أمس الجمعة، لها أدوار كبرى ليست فقط الدفاع عن استقلال المحاماة، فالمحاماة قوامها استقلالها، وهي التي تصدت في القرن السابع عشر لجبروت لويس الرابع عشر الذي حاول تقويض وجودها ونفوذها، وهي التي قاومت بداية القرن التاسع عشر سطوة وطمع ونفوذ نابليون بونابارت، وهي اليوم تعرف حاضر استقلالها الذي تحاول الحكومة أن تقضي عليه بواسطة مشروع لن يصمد بإرادة المحامين وإرادة كل المجتمع…
الجبهة المعلن عن تأسيسها، عليها أن تطرح فضلاً عن دفاعها عن استقلال المحاماة، برنامج عمل يتجه نحو تنبيه السلطة الحكومية إلى انزلاقاتها نحو توسيع استبدادها وأطماعها في اقتراح أدوار الهيئات المدنية والحقوقية والمهنية، والتصدي وبالتالي لإضعاف آليات المجتمع المستقلة عن السلطة ومنع إضعاف المحاماة ورسالة المحاماة.















