أحيانا ونحن أطفال، كنا نرهق آبائنا بطلبات تستعصي عليهم. وعلى سبيل المثال: يطلب الصغير من أمه أو أبيه أن يأخذه في رحلة إلى شاطئ البحر، أو أن يشتري له دراجة، ولكي لا يكسر الوالدان خاطر فلذة كبدهم يسألونه بلطف : “واش بغيتي الصراحة ولا بغيتي بنت خالتها ؟”
فإذا اختار الولد جواب الصراحة، يقول له الأب: “ليس باستطاعتي اصطحابك للشاطئ غدا بسبب انشغالي” أو أن ثمن الدراجة غير متوفر حاليا. فيتراجع الصغير عن اختياره ويقول “بغيت بنت خالتها” فيجيبه الأب : “إذن طلبك مجاب وستناله غدا !” فيفرح الصغير ويظل مبتسما مترقبا بفارغ الصبر. ومع أول شعاع صباح اليوم التالي يسأل الولد أباه مجددا : “ألن نذهب للبحر؟” فيجيبه والده : “ألا تتذكر انك اخترت ابنة خالة الصراحة” !
وقياسا على ذلك، فالصراحة قد أسالت مدادا كثيرا، ولذلك فقد آثرت أن أحدثكم بشكل مقتضب عن “بنت خالتها “! أي أن أحوال المواطن كلها على ما يرام، يجد الطبيب والممرض بانتظاره إذا ذهب لأي مركز صحي، سواء في المدينة أو القرية، يتمكن من شراء الدواء بأرخص سعر مقارنة من دول أخرى، لأن صناعتنا الدوائية تنتج ما يكفي من الأدوية الجنيسة المخفضة التكلفة. كذلك ينعم المواطنون بامتيازات اجتماعية مهمة على غرار تقاعد مضمون للجميع، ومساعدات مالية قارة لكبار السن والعاطلين، ودعم للمواد الأساسية بما فيها المحروقات. واستفادة جميع الفلاحين بدون استثناء من المساعدة والمواكبة. كما أننا نحقق الاكتفاء الذاتي في الفواكه والخضر والحبوب، والأسماك واللحوم البيضاء والحمراء. والسلع كلها تصل للمواطن بأسعار مقبولة، وذلك لعدم وجود أي وسطاء بين المنتج والمستهلك، حيث ثمن السردين لا يتجاوز 3 دراهم للكيلوغرام في أسوء الحالات.
وبخصوص تدبير الشأن العمومي، فمن النادر أن تجد من يترشح للبرلمان، أو رئاسة الجماعات والمجالس الجهوية، لأنها مسؤولية ثقيلة لا توفر اي تربح أو امتيازات ولا سيارات. وأقل هفوة تؤدي للمحاسبة والعقاب.كما أن شروط ولوج مثل هذه المؤسسات أصبحت عالية السقف، تتمثل في مستوى تعليمي لا يقل عن جامعي، ودراية جيدة بالقانون واللغات، وتوفر مهارات التدبير والتواصل. وسجل عدلي خال من المخالفات وسمعة طيبة بعيدة عن الشبهات.
والشوارع منظمة ليس بها حفر أو معيقات. والساحات والطرقات نظيفة ليس بها من يحتل الملك العمومي، حيث يمكن المشي بأريحية دون أن تجد كراسي مقهى تحجب الرصيف.
أما نسبة الأمية فهي منعدمة تماما، والتعليم عندنا ضمن أول خمس منظومات تعليمية على مستوى العالم. ومدارسنا هي مصانع للكفاءات والخبرات التي تبني النهضة ويتم الاعتماد عليها في سائر القطاعات.
أسرنا سعيدة، وقضايا الطلاق عندنا ضئيلة جدا، والسجون شبه خالية. وحتى من يلجها يخرج منها وقد تلقى تأهيلا مهنيا وعلميا يصبح معه فردا صالحا لنفسه وللمجتمع.
نسبة نمو اقتصادنا مذهلة، ومعدل البطالة منخفض. كما أننا تغلبنا على العجز التجاري، واقتربنا من تسديد الديون الخارجية.
لعبة الصراحة أو بنت خالتها تشبه إلى حد ما لعبة البرامج الانتخابية، حينما صدقنا الوعود المتمثلة في: 1000 درهم شهريا لكل مواطن مسن، وتعويض عن أبناء جميع المغاربة، وتعويض العاطلين عن العمل، وأجرة مدرس لا تقل عن 7500 درهم…
ولو سألتم الأغلبية الحكومية عن تلك الوعود فسيقول لسان حالهم : ” لقد اخترتم بنت خالتها” !















