* د. مهدي عامري
أستاذ الذكاء الاصطناعي و التواصل السياسي، المعهد العالي للإعلام والاتصال، الرباط، المغرب
أرى أنّ العالم يقف عند تخوم مرحلة لا تشبه ما سبقها؛ انه عهد جديد و مثير تتصدّع فيه المسلّمات القديمة كما الجدران حين يمرّ تحتها قطار سريع لا يُرى بالعين المجردة. وأظن أن الذكاء الاصطناعي لم يعد اختراعاً تقنياً يمكن احتواؤه، بل أصبح مبدأً جديداً لتنظيم المعرفة نفسها، وآليةً لإعادة تعريف الإنسان، ومصفاةً تُعيد ترتيب القيمة بين ما هو جوهري وما هو فائض عن الضرورة. لقد أصبحنا نعيش وضعاً تتلاشى فيه الحدود بين النص الذي يصوغه بشرٌ يتردّد و يتذكّر و يتألّم، ويعيد بناء أفكاره على جمرات التجربة، وبين نصّ يولد بلا أخطاء و بلا تلعثم و بلا ذاكرة، كما لو أنّه يخرج من رحم مختبر لغويّ مُعقَّم.
هل ثمة مبالغة في هذا الكلام؟
كلا.. فتقارير IDC لعام ٢٠٢٥ تشير إلى وصول حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي إلى ٠٫٦٣ تريليون دولار، مع توقّع ارتفاعه إلى ١ تريليون دولار سنة ٢٠٣٠، فيما تُعلن منظمة العمل الدولية أنّ ٤٠٪ من المهام المعرفية باتت قابلة للأتمتة. فهل حان الوقت للاعتراف بأننا أمام زلزال معرفيّ لا يمكن مواجهته بأدوات القرن الماضي؟ و هل ستكون الجامعات، باعتبارها معاقلا للمعنى وورشات لصناعة العقول خاضعة لاختبار غير مسبوق – و هو أساسا شرعيتها و هويتها الوجودية ؟ هل ستظلّ الجامعات مصدراً للمصداقية المعرفية، أم ستتراجع لصالح الخوارزميات التي تُنتج المادة العلمية بسرعة الضوء؟
إن أغلب الجامعات، للأسف، في جل دول العالم، ما تزال تتصرّف بمنطق الخوف: تشديد العقوبات، تطوير أدوات كشف النصوص المنتَجة آلياً، محاولة إعادة ضبط حدود انهارت أصلاً، و ذلك عوض استبدال منطق الخوف بفلسفة المواكبة، و إرشاد المستخدمين الى أفضل تطويع ممكن لأدوات الذكاءالاصطناعي و استخدامها بشكل أخلاقي مسؤول، دون محاربتها. لعل هذه المقاربة ليست سوى محاولة لإيقاف الزمن، فالآلات تتقدّم بسرعة فائقة تجعل قرارات المنع دون جدوى. و في المقابل، طوّرت جامعات مثل MIT و Stanford و UCL نموذجاً أكثر نضجاً: الاعتراف بالذكاء الاصطناعي بوصفه امتداداً طبيعيا للعقل لا خصماً له، والسماح باستخدامه بشرط أن يُظهر الطالب أثره الشخصي، وقدرته على التحليل، وتفسير البناء المنطقي للنص. و هنا يتغيّر السؤال من “من كتب؟” إلى “من فكّر؟ و “من برّر” ؟ الى “من استطاع أن يخلق معنى لا تستطيعه الخوارزميات؟”.
و بعيدا عن بلاد العام سام، في المغرب، يبدو المشهد هشّاً: أساتذة يخافون أن تفقد المعرفة قيمتها، طلبة يستخدمون الذكاء الاصطناعي سراً، وجامعات لم تحسم بعد موقفها. أعتقد أن جوهر هذا الخوف ليس من التقنية، إنه بمعنى أعمق يساوي الخوف من انكشاف ضعف النموذج التعليميّ المغربي نفسه: فحين يكون التعليم قائماً على التلقين لا على التفكير، يصبح الذكاء الاصطناعي تهديداً لا لأنه قوي خارق، بل لأن نموذجنا التربوي هشّ ضعيف تذروه الرياح.
دعونا نقدم مثالا تبسيطيا دون الوقوع، طبعا، في الابتذال..
إذا كانت الآلة تكتب تقريراً صحفياً في ١٠ ثوانٍ، ومقالاً فلسفيا معمقا في ٣ دقائق، فإن ما يجعل الإنسان ضرورياً ليس القدرة على الإنتاج بل القدرة على طرح السؤال، وتأمّل المعنى، والربط بين المعرفة والضمير الإنساني. فهل حان الوقت لتجاوز “هواجس المنع” نحو “ أسئلة القيمة”. بعبارة أخرى، ماذا نعلّم؟ ولماذا؟ وكيف نبني عقلاً قادراً على التفكير في زمن تُنتج فيه الروبوتات الجواب قبل اكتمال طرح السؤال؟
يبدو لي أنّ التجارب الدولية تفضح الفجوة الحقيقية بين من فهم اللحظة ومن يكتفي بمراقبتها. فالولايات المتحدة، التي تستثمر سنوياً أكثر من ٠٫٢٦ تريليون دولار في الذكاء الاصطناعي، لم تصل إلى الريادة بالصدفة؛ بل لأنها بنت منظومتها العلمية على التكاملٍ بين الجامعة والبحث والصناعة. إضافة لذلك، فإن ٧٠٪ من التطورات الكبرى في نماذج اللغة خرجت من شراكات بين الجامعات الأمريكية والشركات العملاقة، فالجامعة هناك ليست فضاء للمحاضرات النظرية بل هي مصنع متحرك للإنتاج المعرفيّ، و هي لا تكتفي بتدريس المستقبل بل بصناعته. وفي الجهة الأخرى، نجد الإمارات التي نجحت، خلال أقل من عقد، في أن تتحوّل إلى مختبر عربيّ متقدم في الذكاء الاصطناعي ، بوزارة مخصّصة ل AI منذ ٢٠١٧، و بتدريب أكثر من ١٠٠ ألف متعلم في برامج حكومية، مع الصعود إلى المراكز العشرة الأولى عالميّاً في مؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي لعام ٢٠٢٤.
إن هذه التجربة المتميزة خلاصتها باختصار أن الدول الصغيرة جغرافياً قد تصبح مؤثرة و كبيرة معرفياً إذا امتلكت الرؤية. و على الطرف المقابل، هناك النموذج الآخر المختلف : دول غنية بالثروات الطبيعية مثل الجزائر، تمتلك طاقات هائلة وإمكانات مالية ضخمة، و لكنها تتراجع إلى المراتب بين ٩٠ و١٠٠ عالمياً في مؤشرات الذكاء الاصطناعي.
ماذا يتبين إذا من كل هذا ؟
– المال وحده لا يصنع ثورة معرفية؛ و الثروة الطبيعية لا تتحوّل تلقائياً إلى ثروة رمزية. وأظن أنّ هذا هو الدرس الأكبر لعصر الذكاء الاصطناعي: من يملك الخوارزميات يملك المستقبل، ومن يملك البيانات يملك السوق، ومن يملك الجامعات يملك القدرة على الاستثمار في الإنسان الذي يصنع كل ذلك،
– إن الثورات الصناعية السابقة كانت تمنح الأفضلية لمن يملك الفحم أو النفط؛ أما الثورة الحالية، فتعطي الامتياز لمن يملك القدرة على تحويل المعلومات إلى قرار، والقرار إلى معنى. وفي المغرب، ما تزال العلاقة بين الجامعة والتكنولوجيا علاقة ارتياب، فنحن نُدرِّس المستقبل بأدوات الماضي، ونطلب من الطالب أن “يكتب” بينما العالم كله ينتقل من مهارة الكتابة إلى مهارة التفكير في الكتابة.
انطلاقا مما سبق نطرح أكثر من سؤال :
– هل حان الوقت لإعادة بناء النموذج الجامعيّ من الأساس؟
– هل نقوم بإعلان القطيعة المعرفية مع ثقافة التلقين؟
– هل يمكن أن نعترف أنّ الجامعة إذا لم تُعِد تعريف نفسها، فستصبح ملحَقة بالآلات لا شريكاً لها؟
لا أبالغ بتاتا : إن الخوف من الذكاء الاصطناعي ليس خوفاً من “آلةٍ ذكية”، بل هو في الواقع جزء من الخوف من “إنسانٍ لم يتعلم بعد كيف يكون ذكياً بما يكفي”، لذا فإن دور الجامعة اليوم ليس تحصين الطالب ضدّ التقنية، بل تسليحه ضدّ السطحية، وبناء قدراته على التفكير النقديّ، وعلى قراءة الخطاب في عمقه، وعلى إعادة طرح الأسئلة التي تهرب منها الخوارزميات لأنها لا تملك وعياً ولا ضميراً، فالذكاء الاصطناعي – كما نعلم – لا يحلم و لا يتردّد و لا يتألم بل لا يعرف معنى أن يخطئ الإنسان ثم ينهض. و من الثابت أن هذه الهشاشة ـ هشاشتنا نحن ـ هي مصدر الإبداع. فهل هذا هو الوقت المناسب لإعادة الاعتراف بقيمة الهشاشة؟ بأهمية اللايقين؟ و بضرورة الجدل الداخلي الذي يجعل العقل البشريّ أكبر من كل الآلات و الروبوتات مهما بلغت دقّتها؟
ختاما، أتصور أن المستقبل لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة، بل بين نموذجين للمستخدم : إنسان يعيد إنتاج ما تعرفه الخوارزميات، وإنسان يتجاوزها لأنه يطرح ما لا تستطيع هي طرحه. ومن هنا، يصبح الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الجامعة و فضاء لبناء الإنسان و لصناعة السؤال العميق و الفكر المستقل.
هل يجب أن نخاف إذا من الذكاء الاصطناعي؟
لست من يجيب.. مهمتي أنا أن أكتب و أمضي لحال سبيلي. و القارئ وحده هو المسؤول عن الإجابة عن هذا السؤال.. و قبل أن نعود لاحقا إلى زاوية معالجة جديدة لهذا السؤال، في مناسبة قريبة، لا مانع أن نضع بين أيادي صناع القرار في بلدنا المغرب، و في العالم العربي الإسلامي، التوصيات الإستراتيجية التالية :
١ ـ إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج ليس ترفا فكريا لكنه ضرورة مستعجلة، لأن ال AI أداة للتحليل النقديّ و لا يمكن أن تكون بديلا عن التفكير البشري الخالص،
٢ ـ من المهم جدا إعداد برامج وطنية لتدريب الأساتذة والطلبة على الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتقنيات الذكية،
٣ ـ من الأهمية بمكان تجديد النموذج البيداغوجي ليصبح موجهاً نحو مهارات تفكيك المفاهيم، وصناعة السؤال، وتحليل الخطاب.
٤ ـ من المهم أيضا إطلاق مختبرات جامعية للذكاء الاصطناعي بالشراكة مع القطاع الخاص لتطوير نماذج لغوية محلية،
٥ ـ تأسيس مراكز بحثية تعنى بعلاقة الذكاء الاصطناعي بالعلوم الإنسانية من شأنه أن يسهم في تأويل معنى المعرفة،
٦ ـ الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية لإحياء الجامعة، و هو لا يمثل تهديدا لها؛ بالعكس، لأنه يعيد تعريف وظيفة الأستاذ في عصر الخوارزميات.














