لا زلنا نحل و نرتحل في العالم السحري و نسافر دون توقف في الانفاق الغامضة و المتشابكة لاكبر معجزة تقنية و غزو علمي تخلق و لاح في سماء القرن الحادي و العشرين : الذكاء الاصطناعي.

و نحن على مسافة اعوام قليلة من بداية العقد الثالث للالفية الثانية، يمكن ان نطالع كل يوم ملايين المقالات و التغريدات و النصوص و الافكار اللامسبوقة حول الثورة اللامحدودة التي يشهدها عالم اليوم، الا و هي فورة و ثورة الذكاء الاصطناعي.
ان ثورة الذكاء الاصطناعي متعددة الترددات frequences و الابعاد و الدلالات. فهي دون شك ثورة :
. الذكاء المعزز
. العقل الخارق
. التعلم اللامحدود
. الاتمتة الشاملة
. الهيمنة التقنية الكاسحة
. امبريالية الربوتات
. و دكتاتورية الخوارزميات
ان الذكاء الاصطناعي اكثر من مجرد تكنولوجيا فتية و مذهلة النمو و التطور. انها اضحت ايديولوجيا جرافة و فلسفة متوغلة و متغلغلة في حاضر و مستقبل القرارات الكبرى التي سترسم في افق السنوات القليلة القادمة مصير البشرية.
دعونا نتفق معا على فكرة اساسية نابعة من قراءاتنا الكثيرة حول موضوع الذكاء الاصطناعي منذ مستهل 2020 ( المتزامن مع تفشي وباء كورونا في العالم) و الى حدود كتابة هذه السطور : ان التكنولوجيا باتت تُحدث نقلة نوعية في مختلف جوانب معيشنا و اصبحت تتدخل بشكل مباشر و خطير في تحديد عدد لامتناه من تفاصيلنا اليومية :
. جودة الحياة
. الولوج الى المعرفة
. اتخاذ القرارات السياسية الكبرى على المستوى الدولي
. تكريس الهيمنة و الشمولية
. ترسيخ الطبقية و التفاوتات الاقتصادية بين من يملك و لا يملك مفاتيح و اسرار التكنولوجيا
. التضليل الاعلامي
. قيادة الحرب الضروس للتلاعب بالبيانات و المعطيات الشخصية
لقد فتحت تقنية الذكاء الاصطناعي، منذ تاسيسها اواسط خمسينيات القرن العشرين على يد زعيمها و ابيها الروحي الان تورينغ، الأبواب أمام إمكانيات هائلة لم تكن تحلم بها البشرية من قبل، لتُصبح أداةً قويةً و ناعمة بيدنا لتحسين الإنتاجية وتطوير حياتنا بشكل جذري.
ان رحلة الذكاء الاصطناعي عبر الزمن مذهلة و مفعمة بالتفاصيل الجذابة و المثيرة. فالذكاء الاصطناعي يُعدّ فرعًا من فروع علم الحاسوب و يهتم بإنشاء آلات ذكية تُحاكي الذكاء البشري، وتُمكنها من أداء المهام التي تتطلب مهاراتٍ معرفيةً عالية.
و لا باس ان نذكر ان تاريخ هذه التقنية الحديثة يرجع بالضبط إلى منتصف القرن العشرين، عندما بدأ علماء الحاسوب في ابتكار خوارزمياتٍ ذكيةٍ قادرةٍ على حل المشكلات واتخاذ القرارات.
لقد تمّ تأسيس مدرسة “أبحاث الذكاء الاصطناعي” رسميًا في ورشة عملٍ عُقدت في كلية دارتموث عام 1956، ليُصبح هذا الحدث نقطةَ انطلاقٍ حقيقيةً لتطوير هذه التقنية. ومنذ ذلك الحين، شهدت مسيرةُ الذكاء الاصطناعي تطوراتٍ هائلةً بفضل التقدّم المُستمرّ و المطرد في تقنيات الحوسبة ومعالجة البيانات.
و لا يخفى على القارىء المتخصص ان تأثيرات و انعكاسات الذكاء الاصطناعي على مختلف المجالات كثيرة و متنوعة..
و هكذا غزت تقنيةُ الذكاء الاصطناعي فعليا مختلفَ مجالات الحياة، مُقدّمةً حلولًا مبتكرةً للعديد من التحديات.
ونذكر من أبرز تأثيراتها ما يلي:
1. الرعاية الصحية: يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض بشكلٍ مُبكرٍ ودقيقٍ، وتطوير خططٍ علاجيةٍ مُخصصةٍ لكلّ مريض، و الرفع من كفاءةِ العمليات الجراحية.
2. النقل: يُسهم الذكاء الاصطناعي في تطويرِ وسائل نقلٍ أكثرَ أمانًا وكفاءةً، مثل السيارات ذاتية القيادة، وأنظمة إدارة المرور الذكية.
3. التسويق: يمكن ان يُساعد الذكاء الاصطناعي الشركات على فهمِ سلوكياتِ العملاء بشكلٍ أفضل، وتقديم عروضٍ مُخصصةٍ تُلبي احتياجاتهم، و تسهم بشكل سريع في تحسين تجربةِ الشراء.
4. التصنيع: يُستخدم الذكاء الاصطناعي ايضا و بشكل غير مسبوق في أتمتةِ المهام المُتكررة، وتحسين كفاءةِ الإنتاج، وضمان جودةِ المنتجات.
5. الخدمات المالية: يُساعد الذكاء الاصطناعي البنوك وشركات الاستثمار على تحليل البيانات واتخاذ القرارات المالية بشكلٍ سريع وفعال و مدروسٍ، و يساعد على تقديم خدماتٍ للزبناء حسب الطلب.
6. الترفيه: يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تطويرِ ألعابٍ أكثرَ تفاعليةً وواقعيةً، وإنشاءِ محتوىً ترفيهيٍ متناسب مع كلّ مُستخدم.
و لعله من المفيد ان نضيف ان تاثيرات الذكاء الاصطناعي على مختلف مناحي حياتنا تقابله تحديات و مخاطر مستقبلية يجب التغلب عليها، و يمكن تلخيصها في النقاط التالية :
1. التحيز: قد تعكس أنظمة الذكاء الاصطناعي التحيزات الموجودة في البيانات التي تم تدريبها عليها، مما قد يفرز نتائج تفتقر الى العدالة و الدقة.
2. الأمان: تُعدّ أنظمة الذكاء الاصطناعي عرضةً للهجمات الإلكترونية، ممّا يُهدد خصوصيةَ البيانات ويُعرقل عملَها.
3. المسؤولية: من غير الواضح من يتحمل مسؤوليةَ الأضرار التي قد تُسببها أنظمة الذكاء الاصطناعي، ممّا قد يُؤدي إلى نزاعاتٍ قانونيةٍ وأخلاقية.
ورغم ذلك، فإنّ فرصَ المستقبل واعدة للغاية، حيثُ يُتوقع أن يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورةً حقيقيةً في مختلف جوانب حياتنا. ونذكر ، في هذا السياق، بعض أهمّ اتجاهاتِ الحاضر و المستقبل للذكاء الاصطناعي و تتمثل في ما يلي:
1. ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي: اصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي، الى حدود كتابة هذه السطور، قادرا على إنشاء محتوى إبداعي جديد، مثل النصوص والصور والموسيقى، بشكلٍ مُتطورٍ ودقيقٍ، ممّا سيفتح في المستقبل القريب آفاقًا جديدةً ارحب للابتكار والإبداع،
2. التعلم المعزز: سوف تظل أنظمة الذكاء الاصطناعي تتعلم و تنمو من خلال التفاعل مع بيئتها بشكلٍ مستقلٍ، ممّا سيُمكنها من حلّ المشكلات المعقدة واتخاذ القرارات بشكلٍ أفضل.
3. الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير: ستصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي اكثر من اي وقت مضى أكثرَ وضوحًا وشفافيةً، ممّا سيُعزّز الثقةَ بها ويُسهّل فهمَ عملها.
4. الذكاء الاصطناعي المسؤول: في مستقبل قريب جدا سيتمّ تطويرُ أنظمة ذكاء اصطناعي أخلاقيةً وعادلةً و اكثر انسنة بحيث انها ستُراعي خصوصيةَ البيانات وتُحافظ على سلامةِ المستخدمين.
* كاتب، استاذ باحث، خبير الرقمنة و الذكاء الاصطناعي
المعهد العالي للاعلام و الاتصال، الرباط















