بصراحة اهنئ الزميل حميد المهداوي على صبره ورباطة جأشه ودرجة تحمله للمضايقات المتعددة والمتابعات والشكايات الكثيرة من العديد الجهات الرسمية وغير الرسمية.
لم يسبق في تاريخ الصحافة المغربية أن تكالب زملاء على زميلهم بهذه الصورة البشعة.
لم يسبق في تاريخ الصحافة المغربية أن وصلنا إلى هذا المنحدر الخطير من التفاهة والتشهير.
صحيح أننا مررنا في تسعينيات القرن الماضي بصحافة صفراء، التي اعتمدت الفضائحية والإثارة المجانية والرخيصة دون احترام لأخلاق مهنة الصحافة والنشر.
صحيح أيضا أننا مررنا بتجربة إعلامية أقل ما يقال عنها أنها غريبة، عندما جمع إدريس البصري وزير داخلية الراحل الحسن الثاني، بين الداخلية والإعلام.
وكنا وقتها لا نفرق بين رجل أمن ورجل صحافة، اي بين بوليسي وصحافي. لا نميز بين القلم والزرواطة. بين الحرية والضبط.
ولكن رغم كل هذه الظروف لم نصل إلى ما وصلنا إليها اليوم بين الصحافة والسلطة او بين المقاولات الإعلامية فيما بينها. مثل ان تصف صحافية زميلها ب (حاشاكم)”القواد” أو أن تصف صحافية أخرى زميلا لها في المهنة ب ” ابن زنا و عليه ان يبحث عن أبيه الحقيقي” .
سواء اتفقنا او اختلفنا معه، حميد المهداوي يعتبر من الصحافيين الذين بصموا تاريخ الصحافة الحديث، كما كان الشأن بالنسبة للصحافيين المستقلين الآخرين كعلى لمرابط و أبوبكر الجامعي و غيرهما.
إن صحافتنا اليوم تمر بمنعطف خطير: تراجع في المهنية و انحدار كبير في أخلاقيات مهنة و آداب الصحافي والصحافة، و تقدم كبير في التفاهة و التشهير.
ما يقع لزميلنا حميد المهداوي، سواء من طرف السلطة الحكومية أو من بعض الهيئات الإعلامية و النقابية أو من بعض الزملاء في بعض المقاولات الصحفية يعيدنا إلى ما كان يسمى في امريكا بالصحافة الصفراء Yellow Journalism أو حسب تعبير إنجليزي أيضا بصحافة المجاري Gutter press، التي تنبش في الاوساخ.
في آخر حلقة من بودكاست توفيق بوعشرين، متحدثا عن الصحافي الفرنسي “فرانسوا مورياك” الذي قال في إحدى كتبه:” دوري أن ازعج التأويل الرسمي للأحداث”.
إن السلطوية بالمغرب، سواء الآتية من السلطة ذاتها او من يسمح لهم بذاك، لا تقبل إن تزعج وترفض اي تأويل مزعج، لأنها ببساطة لا تقبل بالصحافيين المزعجين، بمعنى الذين يقومون بعملهم المهني بكل استقلالية عنها.
الصحافي حميد المهداوي صحافي يزعج التأويل الرسمي للسلطة وللذين يدورون في فلكها، لهذا السبب يحارب بكل الطرق، سواء كانت قانونية أو ” زنقوية”.
حميد المهداوي يوجد في قلب معركة غير متكافئة، وهو يعلم ذلك. حاول عرض قضيته هنا وهناك كما يقول، ولم يفلح واتجه في آخر المطاف إلى رئيس الدولة الذي يعتبر حسب الدستور المغربي الأخير: “… الحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات …”.
حميد المهداوي يشعر ب”الحكرة” و الخوف بل يشعر بالاضطهاد في دولة تقول أنها دولة الحق و القانون، بل في مملكة ترأس مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.
حميد المهداوي متشبث بدور المؤسسات، كل المؤسسات في بلده، متشبث بحقه في ممارسة الصحافة في بلده، فهل يشفع له ذلك في البقاء والعمل في بلده ومع جمهوره الكبير والعريض، أم ستنتصر التفاهة والتشهير والمتابعات والشكايات في تغييري مجرى حياته للبحث عن فضاء أكثر أمنا و أكثر حرية و أكثر استقرارا.














