في عمل علمي لافت يعيد فتح صفحة منسية من تاريخ المقاومة المغربية، صدر حديثًا كتاب «رحلتي إلى منفى الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي بجزيرة لارينيون»، من تأليف الدكتور صالح السامرائي (رحمه الله)، بتحقيق ودراسة علميين أنجزهما الباحث المغربي الدكتور إلياس الهاني، وتقديم للدكتور حذيفة السامرائي. ويأتي هذا الإصدار ليمنح نصًا رحليًا نادرًا بعده التوثيقي والمعرفي، ويُعيد الاعتبار لشهادة تاريخية ظلّت خارج التداول الأكاديمي لسنوات طويلة.

تنبع القيمة الخاصة لهذا الكتاب من كونه يوثّق رحلة قام بها الدكتور السامرائي سنة 1978 إلى جزيرة لارينيون، حيث قضى الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي أكثر من عقدين في منفاه القسري. وقد اشتغل الدكتور إلياس الهاني على إخراج هذا النص في صيغة علمية دقيقة، معتمدًا منهج التحقيق التاريخي الرصين، بما مكّنه من تثبيت النص في سياقه الزمني والسياسي، وإبراز أهميته ضمن أدبيات الرحلة ذات البعد التاريخي.
وتعود وقائع الرحلة إلى مرحلة دقيقة من تاريخ ما بعد الاستعمار، حين كانت الجزر النائية، ومن بينها لارينيون، تشهد تحولات سياسية واجتماعية عميقة في أعقاب انعتاقها من الهيمنة الأجنبية. ورغم أن مهمة الدكتور السامرائي جاءت في إطار رسمي، فإن تدويناته تجاوزت الطابع الوصفي العابر، لتتحول إلى شهادة ذات حمولة تاريخية وثقافية، مرتبطة مباشرة بسنوات المنفى التي عاشها الأمير الخطابي بعيدًا عن وطنه.
وعلى قِصر مدة الرحلة، أبان السامرائي عن دقة لافتة في التقاط التفاصيل، من خلال وصف معالم الجزيرة وخصوصياتها الطبيعية والاجتماعية، مع إشارات مركّزة إلى ظروف عيش الأمير خلال منفاه الطويل. وتكمن أهمية هذا العمل في ندرة مادته، إذ يسلّط الضوء على مرحلة ظلّت معطياتها شحيحة في كلٍّ من المصادر المغربية والفرنسية.
بهذا المعنى، يشكّل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجالي التاريخ وأدب الرحلة، ويفتح أمام الباحثين والقراء نافذة موثوقة على فصل مهم من ذاكرة المقاومة المغربية، طالما بقي حبيس الصمت والتهميش.















