شهد المغرب خلال القرن السادس عشر ميلادي صراعًا كبيرًا بين دولتين في المغرب الأقصى: دولة الوطاسيين التي تأسست على العصبية القبلية الزناتية، ودولة السعديين التي قامت على أساس الشرف,
ويمكن القول إن هذا الصراع لم يكن سياسيًا فقط، بل كان أيضًا صراعًا بين مدينتي فاس ومراكش، وخاصة بين علماء المدينتين.
في هذا المقال، سنُسلّط الضوء على أبرز مظاهر هذا الصراع بين الوطاسيين والسعديين.
1-سياق بروز دولة الوطاسية :
يُرجع ذكر أسرة بني وطاس إلى ما بعد الفتوحات الإسلامية في المغرب، وهي فرع من القبائل الزناتية، نفس العصبية التي أسست الدولة المرينية1.
وقد سقطت هذه الدولة بعد ثورة فاس سنة 1465م، إثر إقدام السلطان المريني عبد الحق على تعيين وزيرين يهوديين، هارون وشاويل، للإشراف على جباية الضرائب.
لكن السبب المباشر للثورة كان إهانة لسيدة شريفة من ذرية الرسول ﷺ، ما دفع خطيب جامع القرويين عبد العزيز الورياغلي، ومفتي فاس محمد القوري، إلى إصدار فتوى تُجيز قتل السلطان ومبايعة خلف له 2, بعد هذه الثورة التي ساهمت في القضاء على الدولة المرينية،
التي استمر حكمها لأكثر من 200 سنة، تمّت مبايعة محمد الجوطي، الذي استفاد من العثور على قبر إدريس الثاني لتعزيز شرعيته. واستمر حكمه إلى غاية سنة 1472م، حيث قام محمد الشيخ الوطاسي بتأسيس الدولة الوطاسية.
في فترة الحكم الوطاسي سوف يتعرف البلاد مرحلة من أزمة خصوصا احتلال السواحل المغربية من قبل البرتغاليين الدي سوف يشكل منعرجا خطيرا في تاريخ البلاد , الدي سوف يستمر من 1415م الى غاية 1515م مستغلين ضعف السلطة المركزية والانقسامات الداخلية في المغرب3 و ايضا كوارث الطبيعية تتجلى بأساس الجفاف الدي سوف تتسبب في ارتفاع الأسعار و تفشي المجاعة سنة 1520 م .
2-بروز الدولة السعدية و بداية الصراع مع الوطاسيين :
تُعتبر سنة 1510م محطة مميزة في تاريخ المغرب، إذ شهدت نشأة الإمارة السعدية التي بدأت من مدينة تكمدارت في منطقة درعة. ويُعد محمد بن عبد الرحمن، المعروف بـ”القائم بأمر الله”، أول حامل للمشروع السياسي السعدي.
ويُرجع الفضل في إدخال الشرفاء السعديين إلى سوس إلى أبي بكر التيدسي، حسب رواية المؤرخ الناصري نقلًا عن الإفراني، الذي أورد في كتابه أن”أهل درعة كانوا لا تصلح ثمارهم وتكثر بها العاهات، فقيل لهم: لو أتيتم بشريف إلى بلادكم لصلحت ثماركم.”4
تعود أسباب قيام هذه الإمارة أولًا إلى الأوضاع التي كانت تعيشها منطقة سوس، والتي فشل الحكم الوطاسي في ضبطها، وثانيًا إلى الدعوة إلى الجهاد ضد البرتغاليين، خاصة بعد احتلال مدينة أكادير (سانتا كروز).
بعد وفاة محمد القائم، تولى ابنه أحمد الأعرج الحكم، وتمكن من دخول مدينة مراكش واتخاذها عاصمة للدولة السعدية. ومنذ ذلك الحين، تحوّل الصراع بين فاس ومراكش إلى صراع سياسي واضح، حيث توترت العلاقات بين الوطاسيين والسعديين وكادت أن تؤدي إلى حرب.
إلا أن تدخّل علماء فاس ومراكش ساهم في التهدئة، وتم التوصل إلى صلح يُعرف بـ”صلح أنماي” سنة 1530م، والذي تم بموجبه تقسيم المغرب إلى شطرين: شمالي تحت حكم الوطاسيين، وجنوبي تحت حكم السعديين، وكان وادي أم الربيع هو الحدّ الفاصل بين الدولتين. 5
لكن الصراع بين الوطاسيين والسعديين سيتجدد، خاصة بعد دخول محمد الشيخ إلى فاس سنة 1549م، حيث أمر بقتل الونشريسي بسبب رفضه مبايعة السلطان السعدي، في ظل انتشار المقولة الشهيرة: “والله لا يبايعك أهلها إلا إذا بايعك ابن الونشريسي. 6
في سنة 1554م، تمكن محمد الشيخ من دخول فاس مرة أخرى، وقضى نهائيًا على الدولة الوطاسية بقتل آخر سلاطينها، أبو حسون الوطاسي، معلنًا بذلك بداية مرحلة جديدة من هيمنة الشرفاء على المغرب.
مصادر و مراجع :
1-تاريخ بني وطاس اوغست كور, ترجمة محمد فتحة , ص15
2-تاريخ العالم القرن 15 م , باتريك , ترجمة لطفي بوشنتوف , ص 497 .
3- تاريخ المغرب تحيين و تركيب , ص 308 .
4- افراني نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي ص 43
5- مصدر نفسه , ص 50
6- مصدر نفسه , ص 88
*كلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة محمد الخامس بالرباط















