أقف اليوم، بعد أربعة عقود قضيتها في هذه المدينة التي كبرتُ فيها ومعها، لا لأكتب عمودا عابراً، بل لأخط شهادة حق تنبع من غيرة ووجدان مُعذب على مدينته. إنها تمارة، المدينة التي احتضنتني واحتضنت أجيالا متلاحقة، والتي أرى بعينيها اليوم حسرة العجز الاقتصادي رغم فيض إمكاناتها البشرية والطبيعية.
البادي يراها ملاصقة للرباط، فيظن أنها نالت نصيبها من وهج العاصمة وجاذبيتها، لكن العارف بها لا يرى سوى التناقض الصارخ بين لقب “مدينة مونديالية” وبين واقعها البطيء، حيث لا مرافق، ولا تجمعات اقتصادية، ولا ساحات للتنفّس والترفيه. إنها طعنة في القلب أن نرى طيبة ساكنتها تقابل بهذا السكون المُطبق والجمود القاتل.
إن مأساة مدينتنا الكبرى تكمن في قصر الرؤية التخطيطية التي حوّلتها إلى مجرد “مدينة النوم” (Ville Dortoir). هذا التخطيط السكني أسقط تمارة من دور المدينة المكتفية اقتصادياً إلى مجرد وعاء سكني ضخم، ينام فيه الآلاف ليلاً، لكنه يستيقظ صباحاً ليُفرغ قاطنيه مُكرهاً نحو الرباط والمدن المجاورة.
هذه الهجرة القسرية، التي تُجبر أبناء المدينة على ترك قُوّتهم الشرائية وتفاصيل حياتهم الاستهلاكية في جيوب مدن أخرى، هي الجريمة الاقتصادية المستمرة التي تخنق الرواج. ودليل هذه الهجرة الصباحية والمسائية هو الازدحام المروري الخانق الذي يغمر شوارعنا الرئيسية “الحسن الثاني” و “طارق ابن زياد” في أوقات الذروة، فهذا الازدحام ليس سوى شهادة مادية على أن القوة الشرائية تغادر المدينة وتعود إليها دون أن تترك أثراً اقتصادياً ذا قيمة.
إن هذا النزيف اليومي يتفاقم بغياب مُتعمّد لأي مُغريات تبقي العائلة والمستهلك داخل مدينته. وخير دليل على هذا الركود الذي لا يحتاج لدراسة اقتصادية معقدة، هو إقفال الأبناك والمقاهي والمطاعم التي لم تستطع الصمود أمام ضعف الحركة التجارية. فالغياب التام للمراكز التجارية الكبرى (المولات)، وغياب مرافق ترفيه الأطفال المجهزة والساحات العائلية، يدفع الأسر للبحث عن مقام للترفيه والتسوق في العاصمة. ولا يقتصر الأمر على الهجرة الترفيهية، بل تضررت المدينة أكثر من ترحيل ساكنة دور الصفيح التي كانت تقطن في تمارة، والذين كان غالبيهم يساهمون في انتعاش الاقتصاد التجاري المحلي البسيط، ليتم نقلهم إلى “الصخيرات”، ففقدت بذلك الأسواق الصغيرة قاعدة استهلاكية ضرورية كانت تضمن استمرارها. وتزداد هذه المعاناة هيكلياً بغياب الاستثمارات المنتجة الكبرى؛ إذ لا وجود لمناطق صناعية حديثة أو مجمعات إدارية ضخمة تضمن خلق آلاف فرص الشغل داخل المدينة، مما كان سيضمن خلق رواج داخلي قسري يغذي المحلات التجارية والخدمات المحلية. في الوقت الذي نرى فيه مدناً مثل “زناتة” نواحي الدار البيضاء، التي تحولت، بفضل التخطيط الاستراتيجي، إلى قطب مالي استثماري عالمي يضاهي كبريات الحواضر، نجد تمارة تقف متفرجة على قدراتها الضائعة.
أما عن الحسرة التي تدمي القلب، فهي رؤية الساحل البحري الطويل، ذلك الكنز الطبيعي الذي وهبه الله لنا، ساحل يقف اليوم شاهداً على الإهمال، لا يُستفاد منه سياحياً لجلب الوفود الأجنبية التي تضخ العملة الصعبة، ولا اقتصادياً لإنشاء مرافق حيوية، ولا ترفيهياً لساكنته، مع غياب كامل لأي رؤية لاستثمار هذا الشاطئ وتحويله إلى نقطة جذب عالمية تليق بمدينة “مونديالية”.
وتأتي الضربة القاضية من المعادلة الاقتصادية الجائرة؛ فبينما يغيب الرواج، تبقى أثمان الكراء التجاري باهظة ومضخمة بفعل المضاربة العقارية، مما يجعل تكلفة تأسيس الأنشطة الصغيرة كارثية، والنتيجة الحتمية هي الإغلاق والرحيل.
لقد فاض الكيل! إن هذا الجمود ليس قدراً، بل هو نتاج قرارات ورؤى يمكن تعديلها. يجب أن تتوقف رؤية تمارة كملحق إداري أو سكني للرباط، وأن تتجه الجهود نحو خلق قطب اقتصادي ومالي وخدماتي مستقل فيها. والسؤال الذي أرميه على الطاولة اليوم، بكل غيرة وعنفوان، هو: هل سيأتي اليوم الذي تحذو فيه تمارة حذو مدن كـانت بالأمس القريب منسية، لتعود لؤلؤة اقتصادية ومالية عالمية؟ ومتى سنرى استراتيجية طموحة وجريئة تُعيد الروح لساحلنا، وتزرع المراكز التجارية والترفيهية، لتمنح هذه المدينة أخيراً هويتها الاقتصادية وتنقذها من شبح السكون والجمود الذي ينفي أبناءها قسراً؟















