لم يكن محمد أوجار يوماً مجرد اسم في بورصة السياسة المغربية، بل ظلّ دائماً واحداً من الوجوه التي عبرت مراحل متعددة: من مدرجات جامعة وجدة إلى الصحافة والحركة الحقوقية، ثم إلى الحكومة والدبلوماسية، وصولاً إلى موقعه القيادي داخل حزب التجمع الوطني للأحرار.
هذا المسار الطويل منح صاحبه اليوم جرأة الحديث بلغة غير معهودة عن “الدولة العميقة”، و“تغوّل البيروقراطية”، وعن مؤسسات حكامة يعيّن فيها الملك، بل وحتى عن مساءلة الولاة والعمال، وهي نبرة لم يألفها الرأي العام من رجل ظلّ، لسنوات طويلة، نموذجاً للخطاب الهادئ والمؤسساتي.
في وجدة، حيث كانت الساحة الجامعية مسرحاً لصراعات فكرية شرسة في الثمانينيات، صاغ أوجار أولى قناعاته السياسية.
لم يكن قاعدياً ولا راديكالياً، بل أقرب إلى التيار الديمقراطي الإصلاحي الذي يؤمن بالتدرّج والحوار.
وهناك، في قلب نقاشات الحركة الطلابية، تشكّل وعيه بحقوق الإنسان والحريات العامة، قبل أن ينتقل إلى عالم الصحافة ثم إلى العمل الحقوقي الذي وضعه مبكراً في صلب النقاش العمومي حول الديمقراطية والإصلاح.
وعندما دخل الحكومة في تجربة التناوب سنة 1998 وزيراً لحقوق الإنسان، ثم سفيراً في جنيف، ولاحقاً وزيراً للعدل، أصبح جزءاً من دائرة القرار واطّلع من الداخل على طريقة اشتغال الدولة وآلياتها الحساسة.
هذه التجربة جعلته طويلاً من المدافعين عن المؤسسات، وعن مقاربة إصلاحية هادئة تعتمد التدرج، وتتوخّى التوازن بين متطلبات الدولة وإكراهات المجتمع.
لكنّ خرجاته الأخيرة حملت تحوّلاً واضحاً في النبرة والجرأة. فقد صار ينتقد صراحة البيروقراطية الإدارية، ويتحدّث عن مؤسسات الحكامة بطريقة غير مسبوقة، ويتساءل بلا مواربة عن غياب مساءلة المسؤولين الترابيين.
بدا وكأن الرجل الذي عاش سنوات داخل المطبخ السياسي والإداري قرّر الآن أن يكشف بعض ما كان يراه من مقاومات ومعيقات داخل البنية العميقة للدولة.
هل نحن أمام تحول فكري حقيقي في رؤية أوجار؟ أم أمام خطاب انتخابي محسوب؟ أم دفاعاً عن موقعه داخل حزب يقود الحكومة ويتعرّض لضغوط سياسية وشعبية؟
الراجح أن الأمر مزيج من هذه العناصر معاً.
فمن جهة، يبدو أن الرجل اكتسب قناعة جديدة مفادها أن الإصلاح لم يعد ممكناً بالوتيرة البطيئة التي عرفها المغرب لعقود، وأن الجرأة في التشخيص أصبحت ضرورة لا ترفاً.
ومن جهة ثانية، لا يمكن إغفال السياق السياسي الذي يُحتّم على قيادات الأحزاب –وخاصة أحزاب الحكومة– أن تُظهر قدراً من الصرامة في الحديث عن الفساد والبيروقراطية لكسب ثقة الرأي العام.
ومن جهة ثالثة، يحتاج التجمع الوطني للأحرار، وهو تحت ضغط شعبي وإعلامي كبير، إلى أصوات من داخل الحزب تبرّر أعطاب التدبير بكون جزء منها مرتبطاً بالمقاومة البيروقراطية، وليس فقط بخيارات الحزب نفسه.
ورغم كل ذلك، يظل خطاب أوجار بعيداً عن الشعبوية الفجّة. فهو ينتقد دون صدام، ويرفع السقف دون كسر الخطوط الحمراء، ويتحدث عن البيروقراطية والدولة العميقة دون المسّ بجوهر النظام السياسي.
وهذه معادلة لا يجيدها إلا سياسي تمرّس طويلاً داخل المؤسسات وعرف حدود الممكن والمسموح.
محمد أوجار اليوم ليس شخصاً جديداً، لكنه ليس ذاك الذي عرفه الناس قبل عقد من الزمن.
لقد عاد، بعد تجارب ممتدة داخل الدولة، ليقول بصوت أعلى: إن المغرب يحتاج إلى إصلاح حقيقي، لا لإسقاط المؤسسات، بل لتحريرها من ثقل البيروقراطية والحسابات غير المرئية.
إنها لحظة قد يُسجَّل فيها أن واحداً من أبناء الدولة، ممن عرفوا دهاليزها وأسرارها، قرّر أن يرفع صوته… وربما هذه، في حد ذاتها، بداية تغيير.















