في المشهد المهني داخل وزارة الاتصال برز خلال الأسابيع الأخيرة توترٌ متصاعد يكشف عن محاولة غير مسبوقة لخلط الأدوار بين الهيئات الاجتماعية والتمثيلية داخل القطاع.
فبدل أن تحتفظ كل جمعية بحدود اختصاصها واحترام استقلالية غيرها، أظهرت المعطيات أن جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي وزارة الاتصال سعت إلى توظيف جمعية متقاعدي الاتصال كوسيلة للضغط وإسناد استمرار بعض المتقاعدين في التأثير على تسيير جمعية يفترض أنها موجهة للموظفين النشيطين فقط.
هذا التداخل غير الطبيعي اتخذ منحى خطيراً بعدما تحوّل إلى منصة لإضفاء شرعية معنوية على مواقف وادعاءات توحي بوجود إقصاء أو تضييق، في حين أن القانون الأساسي للجمعية يحدد بشكل واضح من له حق العضوية ومن يملك صلاحيات التسيير.
وما كان في البداية مجرد محاولة لخلق توازنات داخلية أصبح مع مرور الوقت عملية مكشوفة لخلق سلطة موازية داخل الجمعية، عبر استثمار مكانة المتقاعدين وتاريخهم لجرّهم إلى نزاع لا يعكس أولوياتهم الفعلية.
وما صدر من جمعية المتقاعدين نفسها يؤكد حجم هذا الارتباك، إذ نفى بلاغها وجود أي إقصاء وطالب بعدم استغلال اسمها في صراعات لا تخدم أهدافها، ما يعني أن الضغوط التي مورست عليها لم تكن نابعة من داخل هياكلها، بل موجَّهة من جهات سعت إلى استعمالها كواجهة لإضفاء مصداقية على صراع تنظيمي ضيق.
الأخطر في هذا المسار هو أن هذا التوظيف لم يتوقف عند حدود الصراع الداخلي، بل تحول إلى أداة للهجوم على إدارة الاتصال وعلى الوزير الوصي مهدي بنسعيد نفسه، ثم على حزب الأصالة والمعاصرة الذي ينتمي إليه، في مرحلة سياسية دقيقة تسبق الاستحقاقات الانتخابية. وهو تطور خطير يعكس انتقال بعض الأطراف من الضغط التنظيمي إلى محاولة تسييس الملف وخلق مواجهة مع المؤسسة الوزارية والحزب السياسي المعني، ما يؤشر على انحراف واضح عن أهداف العمل الجمعوي.
في المقابل، جاء رد النقابة الوطنية لموظفي وزارة الاتصال – الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حازماً، معتبرة أن هذه التحركات تمثل تهديداً لقواعد الحكامة وديمقراطية التسيير داخل الجمعية، كما أنها اعتداء على حق الموظفين النشيطين في اختيار ممثليهم. النقابة رفضت بشكل صريح أي تدخل خارجي، بما في ذلك تدخل المتقاعدين أو محاولة توظيفهم في الصراع، مؤكدة أن الديمقراطية الداخلية تُمارس عبر الجمع العام والانتخاب وليس عبر البيانات المشحونة أو الهجمات الموجهة ضد الإدارة أو الوزير أو حتى الأحزاب السياسية.
هذه التطورات لا تعبّر عن خلاف تقني أو سوء تفاهم، بل عن صراع بين منطق يحترم استقلالية الهياكل وبين منطق يسعى إلى استثمار النفوذ القديم والعلاقات الشخصية لفرض استمرار أشخاص انتهت صلاحياتهم التنظيمية.
ومن شأن استمرار هذا النهج أن يعمّق الانقسام، ويضعف الثقة في المؤسسات، ويحوّل العمل الاجتماعي من فضاء تضامني إلى ساحة صراع سياسي وإداري.
إن القراءة الموضوعية لما يجري تفرض التأكيد على ضرورة الفصل الصارم بين مهام الجمعيات داخل قطاع الاتصال، وحماية استقلالية كل هيئة، ومنع أي جهة من استغلال المتقاعدين أو الزج بهم في معارك لا علاقة لهم بها. فالمتقاعدون محل احترام كبير، لكن احترامهم يبدأ بعدم استعمالهم لأغراض تتجاوز إطارهم التنظيمي. كما أن إشراكهم في الهجوم على مؤسسة وزارية أو على الوزير وحزبه يمثل انحرافاً خطيراً لا يخدم لا العمل الاجتماعي ولا سمعة القطاع.
الخلاصة أن الأزمة الحالية تكشف محاولة غير محسوبة لتحويل جمعية المتقاعدين إلى أداة ضغط وهجوم سياسي، وأن الحل يكمن في العودة إلى المساطر القانونية، واحترام إرادة الأعضاء، وإبعاد القطاع عن أي توظيف انتخابي أو حزبي.
فكلما حافظت الهياكل على استقلاليتها، كلما تحسنت الحكامة وتعزز الانسجام داخل قطاع يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الشفافية والوضوح والالتزام بمبادئ العمل المؤسساتي.















