“في غياب الطعام، لا توجد أخلاق. فقط الجوع.” هكذا لخص الفيلسوف الفرنسي “جون بول سارتر” الحقيقة القاسية التي تواجه البشرية في أحلك لحظاتها.
كلمات تختصر قصة الإنسان حين يصل إلى حافة البقاء، حين تتلاشى كل القيم والمعتقدات أمام صرخات المعدة الفارغة.
التاريخ البشري مليء بشهادات مروعة عن المجاعات التي دفعت البشر إلى أقصى حدود الإنسانية وما بعدها. في حصار لينينغراد (1941-1944)، وثقت السجلات السوفيتية أكثر من ألفي حالة لأكل لحوم البشر.
عزيزي القارئ، لك أن تتخيل أما تنظر إلى جثة جارتها المتوفاة وتفكر فيها كمصدر للغذاء؟ أو أبا يحاول إخفاء دموعه وهو يقطع أجزاء من جثة شخص ميت ليطعم أطفاله الذين لم يذوقوا طعم الخبز منذ أسابيع؟
وخلال المجاعة الصينية الكبرى، سجلت التقارير الرسمية التي كشفت لاحقا حالات من القرى النائية حيث تبادل الآباء واﻷمهات أطفالهم للأكل !
واليوم، على بعد ساعات قليلة بالطائرة من عواصم العالم المترفة، تتكرر الكارثة نفسها في قطاع غزة. لكن هذه المرة، المجاعة ليست نتيجة كارثة طبيعية، بل هي سلاح حرب منهجي ومتعمد. منذ أكثر من نصف عام، والاحتلال الإسرائيلي يمنع وصول الغذاء والماء والدواء إلى مليوني إنسان محاصرين.
يجبر الناس على البحث في أكوام القمامة، وطحن أعلاف الحيوانات، وأكل الحشائش والأعشاب البرية.
تقارير المنظمات الإنسانية تؤكد أن غزة تعيش أسوأ أزمة إنسانية في العصر الحديث. الأطفال يموتون ببطء، أجسادهم تلتهم نفسها من الداخل. المستشفيات تعج بأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد. الأمهات اللواتي فقدن القدرة على إنتاج الحليب يبكين بصمت وهن يراقبن رضعهن يذبلون مثل الزهور بلا ماء.
طبيب فلسطيني كشف لوسائل إعلام أن الأطفال يأتون إلى المستشفى مصابين بالتسمم بعد تناولهم طعاما فاسدا أو علفا للحيوانات. إنها ليست مجرد مجاعة، إنها إبادة بطيئة أمام أعين العالم.
العالم الذي يتشدق بالقيم الإنسانية والقانون الدولي والحق في الغذاء والماء، يقف متفرجا على جريمة تجويع متعمدة. القصص القادمة من غزة تحيلنا إلى عصور قاتمة من التاريخ البشري.
ماذا يحدث عندما يستمر الجوع أسابيع وشهورا؟ من البديهي أن الوعي الأخلاقي يتلاشى تدريجيا مع تدهور الجسد. الدماغ، الذي يستهلك 20% من طاقة الجسم، يبدأ بالتخلي عن وظائفه العليا للحفاظ على الوظائف الأساسية. تختفي الضوابط الاجتماعية، وتتحول الأخلاق إلى رفاهية لا يمكن تحملها.
هل سنشهد في غزة ما شهدناه في لينينغراد والصين وكوارث أخرى ستظل وصمة عار في تاريخ البطش البشري ؟
هل سنقرأ يوما ما تقارير عن فلسطينيين اضطروا لأكل جثث الشهداء؟
الفرق الوحيد بين مجاعات الماضي ومجاعة غزة اليوم، هو أن مأساة غزة تحدث في عصر الفضائيات والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. نشاهد الكارثة لحظة بلحظة، نرى وجوه الأطفال الشاحبة، نسمع صرخات الأمهات. لكننا عاجزون، أو متواطئون بصمتنا.
حين تمنع القنابل والصواريخ الناس من الهرب، وحين تمنع الحواجز العسكرية الطعام من الدخول، لا يعود الموت بالجوع مجرد كارثة إنسانية، بل يصبح جريمة حرب مكتملة الأركان. يصبح سلاحا أكثر بشاعة من الرصاص والقنابل، لأنه يقتل ببطء، يدفع الإنسان نحو الانحدار في هاوية اللاإنسانية قبل أن يموت.















