لم اصدم طيلة ممارستي للصحافة بصفة مهنية منذ ثمانينيات القرن الماضي في وضعية الصحافة والصحافي ببلادنا، كما صدمت في الزمن الحالي بالوضعة المنحطة لجزء كبير من الصحافة المغربية.
لقد انحدرنا كثيرا وابتعدنا كثيرا عن القيم والأخلاق والمبادئ وآداب الصحافة والصحافي.
صحيح أننا مررنا من فترات سادت فيها الصحافة الصفراء والصحافيين الصفر، في سنوات التسعينات.
ولكن اليوم حطمنا كل الأرقام القياسية في البؤس والرداءة والتفاهة والتشهير، وأصبحنا نمارس كل شيء إلا الصحافة.
بصراحة، أصبحنا اليوم نمارس “صحافة المجاري”، أو كما وصفها الصحافي سليمان الريسوني صحافة ” الصرف الصحي “. الصحافة التي تركز على التشهير والتفاهة وعلى الفضائح والإثارة ونشر الأخبار غير الدقيقة أو المشوهة بهدف تحقيق مكاسب مادية أو سياسية.
يُطلق هذا المصطلح “صحافة المجاري” غالبًا على وسائل الإعلام التي تروج للشائعات، وتنشر معلومات مضللة أو تنتهك خصوصية الأفراد دون مراعاة القيم الأخلاقية أو المهنية.
مصطلح “صحافة المجاري” أو “Gutter Press” في الإنجليزية يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث استخدم لوصف الصحف الصفراء التي تعتمد على الإثارة والفضائح بدلاً من الأخبار الجادة والمهنية.
فهذا المصطلح الذي نشأ في بريطانيا والولايات المتحدة عندما بدأت بعض الصحف تنحدر إلى مستوى متدنٍ في المصداقية والمهنية، مثل الصحافة الصفراء التي اشتهرت بالمبالغة ونشر الأخبار الكاذبة لجذب القراء، يعود بقوة للمملكة المغربية في القرن الواحد والعشرين.
تعبير “المجاري” يرمز إلى القذارة والانحطاط، مما يعكس طبيعة هذا النوع من الصحافة التي تركز على التفاهة والتشهير والفضائح أكثر من الحقائق.
نعم، مصطلح “صحافة المجاري” يُستخدم في المغرب، لكنه ليس واسع الانتشار بقدر مصطلحات أخرى مثل “الصحافة الصفراء” أو “الصحافة المأجورة” أو ” صحافة التشهير “. يتم استخدامه لوصف بعض وسائل الإعلام التي تروج للأخبار الكاذبة، أو تتعمد التشهير والإثارة على حساب الموضوعية والمهنية.
في السياقات السياسية، يُطلق هذا المصطلح على بعض المنابر الإعلامية التي تعمل على تشويه سمعة شخصيات أو أحزاب معينة أو حقوقيين أو زملاء صحافيين يمارسون المهنة بكل استقلالية .
في المغرب، برزت عدة حالات تعكس مظاهر ما يُعرف بـ”صحافة المجاري”، حيث تُستغل مهنة الصحافة لأغراض غير مهنية، مثل التشهير، الابتزاز، ونشر الأخبار الكاذبة. فيما يلي بعض الأمثلة على هذه الظواهر:
- التشهير والاغتيال الرمزي
- الابتزاز باسم الصحافة
- التسول في الأماكن العامة باسم الصحافة
- نشر محتوى تافه والترويج للتفاهة
- استغلال الصحافة لتحقيق مكاسب شخصية
الصحافة الصفراء في المغرب ليست ظاهرة جديدة، لكنها تطورت بشكل ملحوظ مع انتشار الصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. يمكن تتبع جذورها إلى فترات سابقة، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا في العقود الأخيرة، خاصة مع ظهور وسائل إعلام تعتمد على الإثارة والتشهير لجذب القراء.
في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، كانت الصحافة المغربية تخضع لرقابة صارمة، ولم يكن هناك مجال كبير لظهور صحافة الإثارة والتشهير.
مع بداية التسعينيات، ونتيجة لانفتاح سياسي نسبي، بدأت بعض الصحف في نشر مقالات مثيرة للجدل حول شخصيات سياسية وفنية، لكنها كانت محدودة.
مع ظهور الصحافة الإلكترونية في أوائل الألفية الثالثة، أصبحت المنافسة شرسة، مما دفع بعض المواقع الإخبارية إلى التركيز على العناوين الصادمة، والفضائح، والتشهير لجذب الزوار.
الغريب في هذا الزمن الصحفي الرديء، تراجعت القوانين وتراجعت الهيئات المهنية العاملة في قطاع الصحافة والنشر وتراجع الصحافيون المستقلون إلا من رحم ربك وتراجعت الحكومة في إصلاح هذا الوضع المختل للصحافة، وأصبحنا متفرجين خائفين، لأن التفاهة باتت نافذة بل أصبحت سلطة فوق السلط و ” للي دوا يرعف”.















