* هشام الزوهري / معتقل إسلامي سابق
لم تكن لي يد في الرسالة.
كانت مجرد كلمات نشرتها جريدة، لم أكتبها، لم أوقّعها، لم أعرف حتى بوجودها.
لكنهم اقتادوني كما تُقاد الذبيحة، لا إلى المحكمة، بل إلى المسلخة أولًا.
هناك، حيث تتكلم الأجساد بدل الألسنة،
أُريدَ لي أن أعترف بما لا أعرف.
ضُربت حتى تكسرت حدود الإدراك،
وكلما قلت “لا أعلم”، صرخوا: “ستتذكر حين تموت خلاياك”.
لم أعترف. لم أنكر. كنت فقط أتوجع.
ثم جاؤوا بي إلى المحكمة،
لا شيء هناك يُشبه العدل.
القاضي نطق: “عشر سنوات”
وانتهى الأمر.
كنت أريد أن أصرخ:
“سيدي، عشر سنوات لا تُعد!
عشر سنوات لا تُختصر في جلسة ولا توقّع كأنها غرامة!”
لكن صوتي لم يخرج.
خرجتُ من المحكمة، لكنني لم أخرج من حكمها أبدًا.
في الزنزانة، كل شيء ضيق، حتى النفس.
العتمة صديقة، والجدار مستمعٌ صبور.
أما الوسادة، فعدو.
كلما وضعت رأسي عليها، انفجر راسي.
مرضٌ في الرأس، لا اسم له،
يحرقني كل ليلة، ويمنعني من النوم كما من النسيان.
أمي…
كان وجهها يزورني كل مساء،
لا عبر الهاتف، بل عبر الوجع.
وجهها المذهول، المتعب، الصابر،
كان أشدّ من سياط الجلاد.
أخي…
أُدخل هو الآخر السجن، كأن لعنات “الرسالة” انتقلت إليه،
مرت السنوات، وخرجت.
لكنني لم أخرج فعليًّا.
جسدي خرج، أما هشام… لا أدري.
أنا الآن أعيش بالأقراص،
أنام بالأقراص،
وكلما غابت المهدئات، حضرت الزنازين.
تأتيني لحظات… أُحدّق في الفراغ،
لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم،
وكأنني أعود إلى تلك الزنزانة…
لكن بلا قضبان.
الرسالة التي لم أكتبها، كتبتني.
والعقوبة التي لم أستحقها، حكمت عليّ حتى بعد خروجي.
هذه ليست مذكرات انتقام،
بل مذكرات ذاكرة لا تموت،
وقلبٍ لا يُشفى،
وعَدالةٍ لم تأتِ أبدًا.















