يحلّ اليوم الوطني للإعلام بالمغرب هذا العام وسط أسئلة صعبة تعكس عمق التحولات التي يعيشها القطاع. فالإعلام، الذي يُفترض أن يكون سلطة رابعة، يجد نفسه محاصراً بين أزمات متراكمة: نصوص قانونية تبحث عن الشرعية المهنية، مؤسسات تحتاج إلى إعادة هندسة حقيقية، وفضاء رقمي يزداد توسعاً بينما تتراجع شروط إنتاج الخبر المسؤول.
لقد شكّل مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة الشرارة التي أعادت النقاش المهني إلى واجهة الأحداث. الهيئات النقابية والمهنية، وعلى رأسها النقابة الوطنية للصحافة المغربية. الفيدرالية المغربية لناشري الصحف والجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال، اعتبرت المشروع خطوةً إلى الوراء ومَسّاً بجوهر التنظيم الذاتي. بالنسبة لها، الانتقال من فضاء انتخابي يكرّس الشرعية المهنية إلى منطق التعيين يهدّد استقلالية المجلس ويمسّ مبدأ تمثيل الصحفيين في مؤسساتهم الطبيعية. وهو ما جعل النقاش القانوني يتحوّل إلى سؤال سياسي ومهني أعمق: من يملك حقّ تأطير المهنة؟ ومن يدافع عن استقلاليتها؟
في المقابل، تكشف وضعية أغلب المؤسسات الإعلامية، خصوصاً الجهوية والمجتمعية، عن اختلالات حقيقية: هشاشة في التمويل، تراجع في الإعلانات، وضغط رقمي لا يرحم.
أما الصحافيون، فقد صاروا يواجهون واقعاً متعباً: أجور ضعيفة، مسارات مهنية غير مستقرة، وحماية اجتماعية ما تزال دون التطلعات.
وهو واقع تؤكده أيضاً تقارير مهنية تحذر من “تمييز” داخل المقاولات الإعلامية ومن ضعف آليات الحكامة والتكوين المستمر.
ورغم هذا المشهد المأزوم، لا يمكن إنكار وجود إرادة لتصحيح المسار. فعدد من المبادرات التشريعية والإدارية تسعى لإعادة ترتيب القطاع، وهناك وعي متزايد داخل الجسم الإعلامي بضرورة التكتل والدفاع عن قيم المهنية والشفافية. كما ساهم التحول الرقمي في فتح آفاق جديدة للإبداع الإعلامي، رغم ما يفرضه من منافسة شرسة ومخاطر انتشار الأخبار الزائفة.
إن استعادة ثقة الجمهور في الإعلام تظلّ المنطلق والأساس. وهذه الثقة لن تُستعاد إلا عبر ثلاثة مسارات مترابطة: تشريعات تحمي حرية الصحافة، مؤسسات مهنية ديمقراطية مستقلة، وإعلام قوي قادر على تقديم خدمة عمومية حقيقية.
فالإعلام ليس مجرد قطاع خدمي، بل هو بنية أساسية لبناء الديمقراطية وتعزيز المشاركة المواطِنة.
في هذا اليوم الوطني، لا نحتاج إلى احتفالات، بقدر ما نحتاج إلى شجاعة تقييم ذاتي ومسار إصلاحي واضح يعيد للإعلام المغربي مكانته ودوره.
فبدون إعلام حرّ ومهني ومسؤول، لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أو تنموي أن يكتمل.















