يخلد المدافعات والمدافعون عن حقوق الإنسان، وكافة شعوب المعمور، في 24 مارس من كل عام، اليوم العالمي للحق في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وكرامة الضحايا.
وهي مناسبة يتم الوقوف، من خلالها، على حصيلة ما تم إنجازه، خصوصا بالنسبة للدول التي انخرطت في مسلسلات ما يسمى ب “العدالة الانتقالية”.
واعتبارا لكون المغرب يندرج ضمن هذه الدول، فإن الجمعية تستحضر أهم أهداف قرار الأمم المتحدة بخصوص اختيار هذا اليوم، والتي تتلخص في:
– أن هذا الحق هو حق مكفول للضحايا وعائلاتهم والمجتمع بكامله، وهو حق غير قابل للتصرف أو التقادم.
– أن الحق في معرفة الحقيقة يتعلق بالأساس بالانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالإعدامات خارج نطاق القضاء وبالاختطاف والاعتقال التعسفي والتعذيب، والنفي القسري، والتي تشكل تجاوزا صارخا للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
– أن مطالب ذوي حقوق الضحايا والمجتمع، في معرفة الحقيقة كاملة ودون نقصان، مشروعة، سواء فيما يتعلق بالوقائع والظروف المحيطة بما جرى، والمسؤولين عنها، أو بالملابسات التي وقعت فيها الانتهاكات، وكذلك أسبابها.
– أن الاحتفاء بذكرى ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، يتعلق بأهمية معرفة الحقيقة حول مرتكبي تلك الانتهاكات وإعمال العدالة بشأنهم، بما يحقق الإنصاف والعدالة وعدم الإفلات من العقاب.
– أن من واجب الدولة المغربية حماية وضمان حقوق الإنسان، وإجراء تحقيقات فعالة، وضمان الانتصاف والتعويض الفعالين.
– أن أفضل الممارسات الكفيلة بإعمال الحق في معرفة الحقيقة إعمالا فعالا، هو الحرص، من جهة، على التحفظ على كل المراكز السرية والعلنية التي كانت مسرحا لتلك الانتهاكات، وكذلك الوثائق والمحفوظات والسجلات، التي تخص تلك الانتهاكات، ومن جهة أخرى، على المحافظة على برامج حماية الشهود وكل الأشخاص المعنيين بالمحاكمات المرتبطة بملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب.
وتبعا لكل ذلك، فإن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وبعد مرور حوالي عشرين سنة على التجربة المغربية، تود أن تسجل وتعبر عما يلي:
أ- أن الحقيقة التي قدمتها هيئة الإنصاف والمصالحة، رغم أهميتها، لم تكن كاملة؛ فمازالت الحركة الحقوقية وحركة الضحايا تطالب بالكشف عن الحقيقة في كافة ملفات الاختفاء القسري والتي حددها تقرير الفريق العامل للأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي الصادر في 1 أكتوبر 2021، في 153 حالة، ومازالت ملفات المهدي بنبركة وعبد الحق الرويسي وعمر الواسولي والحسين المانوزي وعبد اللطيف زروال وسالم عبد اللطيف ووزان بلقاسم ومحمد إسلامي ووهيب الحياني والصالحي مدني ومحمد بوفوس … وآخرين، بدون حقيقة كاملة. بل إن حقائق الانتفاضات الشعبية التي شهدها المغرب، منذ انتفاضة 23 مارس 1965، وحتى انتفاضات الريف وغيرها، وفي زمن ما بعد هيئة الإنصاف والمصالحة لازالت مطموسة.
ب- أن جبر الضرر الفردي للضحايا وذوي الحقوق، وبرغم المجهود الكبير المبذول فيه، فإن الملفات الموضوعة خارج الأجل والتي تتجاوز الثلاثين ألف ملف، وملفات عدد من المجموعات التي لازالت تطالب بإنصافها وضمنها مجموعة تازمامرت ومجموعات تطالب بالإدماج الاجتماعي وبالإنصاف العادل والشامل لها. أما إنصاف المجتمع، أي جبر الضرر الجماعي والذي له أهمية كبرى، فإن ما تم فيه جد ضعيف، وتم تعويمه فيما يسمى :”المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”؛
ج- أن عددا كبيرا من المراكز السرية والعلنية التي مورست فيها الانتهاكات الجسيمة، قد تم تدميرها في محاولة حثيثة من الدولة لطمس الذاكرة الجمعية للشعب المغربي. كما أن الولوج إلى السجلات والوثائق والمعلومات المرتبطة بذلك، يبقى صعبا إن لم نقل مستحيلا.
ه- أن إعمال العدالة، بما يقتضيه من مساءلة ومتابعة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الماضي والحاضر ووضع حد للإفلات من العقاب، ظل يصطدم برفض الدولة، واللعب على عامل الزمن. وقد تابعنا وفاة عدد من الشهود والجلادين، وكان آخرهم الجلاد أحمد البخاري، الذي كتب وبث على مواقع التواصل العديد من الوقائع حول الجرائم التي شارك في ارتكابها، وتوفي دون أن يخضع لأية مساءلة أو عقاب.
وبناء على ما سبق، فإن الجمعية تجدد مطالبتها بما يلي:
أولا: الكشف العاجل عن الحقيقة كاملة، من خلال الاستجابة الفورية لمطلب هيئة متابعة توصيات المناظرة الوطنية، حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، الصادر في الندوة الدولية المنعقدة أيام 20-21-22 أبريل 2018 بمراكش – والمتمثل في حمل الدولة المغربية على تشكيل آلية وطنية مستقلة للحقيقة، هدفها مواصلة الكشف عن الحقيقة في كافة ملفات الاختفاء القسري العالقة.
ثانيا: تقديم الحقيقة كاملة عن المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الماضي والحاضر، ومساءلتهم ومعاقبتهم إداريا وقضائيا، وإخراج عدد من القضايا من أدراج الحفظ أو الاستئناف بالمحاكم ليأخذ القضاء مجراه العادي دون أي تدخل أو تأثير.
ثالثا: وضع التوصيات الصادرة عن هيئة الإنصاف والمصالحة موضع التنفيذ، سواء تعلق الأمر باعتذار الدولة الرسمي والعلني للضحايا والمجتمع من خلال ممثلها الأسمى وهو الملك، أو حفظ الذاكرة – فلا مستقبل لشعب بدون ذاكرة – أو فيما يتعلق بالإصلاحات المؤسساتية والقانونية والتربوية ووضع الاستراتيجية الوطنية لمناهضة الإفلات من العقاب، حتى لا يتكرر ما جرى ويجري لحد الآن- موضع التنفيذ .
المكتب المركزي
الرباط في: 24 / 03 / 2025















